الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5242 5243 ص: فَإِنِ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ مُحْتَجٌّ بِمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ: "لَمَّا وَفَدَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَأُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ عُمَرُ 5 لِجَرِيرٍ: : يَا جَرِيرُ، ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَكُنْتُمْ عَلَى مَا قَسَمْتُ لَكُمْ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَدَّهُ، وَكَانَ رُبُعُ السَّوَادِ لِبَجِيلَةَ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ وَأَعْطَاهُمْ ثَمَانِينَ دِينَارًا". حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: "كَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَدْ أَعْطَى بَجِيلَةَ رُبُعَ السَّوَادِ، فَأَخَذْنَاهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَوَفَدَ بَعْدَ ذَلِكَ جَرِيرٌ إِلَى عُمَرَ ، -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَمَعَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا كُنْتُ أَعْطَيْتُكُمْ، فَأَرَى أَنْ تَرُدُّوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَفَعَلَ، قَالَ: فَأَجَازَنِي عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِثَمَانِينَ دِينَارًا". قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَدْ كَانَ قَسَمَ السَّوَادَ بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ أَرْضَاهُمْ بَعْدُ بِمَا أَعْطَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعُودَ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ لَهُ: مَا يَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ السَّوَادِ فَجَعَلَهَا لِبَجِيلَةَ، ، ثُمَّ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا عَوَّضَ عُمَرُ أَهْلَهَا مَا عَوَّضَهُمْ مِنْهَا مِنْ ذَلِكَ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّوَادِ فَعَلَى الْحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ، وَلِمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ أَرْضُ السَّوَادِ أَرْضَ عُشْرٍ، وَلَمْ تَكُنْ أَرْضَ خَرَاجٍ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ فَإِنِ احْتَجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى وُجُوبَ قِسْمَةِ الْأَرْضِ إِذَا افْتُتِحَتْ عَنْوَةً عَلَى الْإِمَامِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَدْ كَانَ قَسَمَ السَّوَادَ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضَاهُمْ بِالَّذِي أَعْطَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعُودَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "قِيلَ لَهُ" أَيْ لِلْمُحْتَجِّ الْمَذْكُورِ. حَاصِلُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ السَّوَادِ فَجَعَلَهَا لِبَجِيلَةَ... إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ . وَأَخْرَجَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحِيحَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زُرَيْقٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ الْأَحْمَسِيِّ الْكُوفِيِّ، وَكَانَ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِيُبَايِعَهُ فَقُبِضَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ رَآهُ يَخْطُبُ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَأَبَوْهُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَاسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ عَوْفٍ يُكَنَّى بِأَبِي حَازِمٍ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ الْكُبْرَى": مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: "أَعْطَى عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَرِيرًا وَقَوْمَهُ رُبُعَ السَّوَادِ فَأَخَذَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ جَرِيرًا وَفَدَ إِلَى عُمَرَ مَعَ عَمَّارٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَكُنْتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَرُدُّوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَعْطَاهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ دِينَارًا". الثَّانِي: عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ أَحَدِ مَشَايِخِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ الصَّحَابِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ وَقَالَ: الشَّافِعِيُّ: أَنَا الثِّقَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: "كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبُعَ النَّاسِ، فَقَسَمَ لَهُمْ رُبُعَ السَّوَادِ فَاسْتَغَلُّوهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ وَمَعِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ - امْرَأَةٌ مِنْهُمْ - فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِمَ لَكُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَى النَّاسِ". ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اسْتَدَلُّوا بِهَذَا عَلَى أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَسَمَ أَرْضَ السَّوَادِ وَمَلَّكَهُمْ زِقَابَ الْأَرَضِينَ. قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ رُبُعَ الْخَرَاجِ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى إِعْطَائِهِ دُونَ الْخَرَاجِ؛ لِيَكُونُوا أُسْوَةً كَسَائِرِ النَّاسِ. فَإِذَا قُلْتَ: إِنَّمَا دَفَعَ عَمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- السَّوَادَ إِلَى أَهْلِهِ بِطِيبَةٍ مِنْ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَالْأُجْرَةُ قَدْ تُسَمَّى خَرَاجًا، قَالَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ"، وَمُرَادُهُ أُجْرَةُ الْعَبْدِ لِلْمُشْتَرِي إِذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ. قُلْتُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمْ يَسْتَطِبْ نُفُوسَ الْقَوْمِ الْغَانِمِينَ فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَرْكِ الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا تَشَاوَرَ، وَحَاجَّ مَنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ بِمَا أَوْضَحَ بِهِ قَوْلَهُ وَلَوْ كَانَ قَدِ اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ وَالْمُحَاجَّةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِطَابَةٍ مِنْهُ لِنُفُوسِهِمْ وَقَدْ أَخْبَرَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ رَأَى رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ غَيْرُهُ؛ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ رُبُعَ الْخَرَاجِ ثُمَّ رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ الِاقْتِصَارَ عَلَى إِعْطَائِهِ دُونَ الْخَرَاجِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: "الْأُجْرَةُ قَدْ تُسَمَّى خَرَاجًا" فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْإِجَارَاتِ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الْمُدَّةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَهْلَهَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا أَوْ أَحْرَارًا، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَإِنَّ إِجَارَةَ الْمَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَتْرُكَ رِقَابَهُمْ عَلَى أَصْلِ الْجِزْيَةِ وَلَا يَتْرُكُ أَرْضَهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، وَأَيْضًا لَوْ كَانُوا عَبِيدًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ رِقَابِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَبِيدَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَيْضًا لَا خِلَافَ أَنَّ إِجَارَةَ الشَّجَرِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَقَدْ أَخَذَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْخَرَاجَ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية