الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وِلَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ ، وَأَطَاعَهُ تَمَّامٌ ، كَرِهَ أَهْلُ الْبِلَادِ ذَلِكَ ، وَحَمَلُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ عَلَى أَنْ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ يَطْلُبُ مِنْهُ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ . وَكَانَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ تُحْمَلُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ مَعُونَةً ، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ ذَلِكَ ، وَبَذَلَ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَأَحْضَرَ الرَّشِيدُ ثِقَاتِهِ وَاسْتَشَارَهُمْ ( فِيمَنْ يُوَلِّيهِ ) إِفْرِيقِيَّةَ ، وَذَكَرَ لَهُمْ كَرَاهَةَ أَهْلِهَا وِلَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ . فَأَشَارَ هَرْثَمَةُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ ، وَذَكَرَ لَهُ مَا رَآهُ مِنْ عَقْلِهِ وَدِينِهِ وَكِفَايَتِهِ ، وَأَنَّهُ قَامَ بِحِفْظِ إِفْرِيقِيَّةَ عَنِ ابْنِ مُقَاتِلٍ ، فَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ، فَانْقَمَعَ الشَّرُّ ، وَضَبَطَ الْأَمْرَ ، وَسَيَّرَ تَمَّامًا ، وَكُلَّ مَنْ يَتَوَثَّبُ عَلَى الْوُلَاةِ ، إِلَى الرَّشِيدِ ، فَسَكَنَتِ الْبِلَادُ ، وَابْتَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْعَبَّاسِيَّةَ بِقُرْبِ الْقَيْرَوَانِ ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا بِأَهْلِهِ وَعَبِيدِهِ . وَخَرَجَ عَلَيْهِ ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ، رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ ، اسْمُهُ حَمْدِيسُ ، فَنَزَعَ السَّوَادَ ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَغْلَبِ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْ ظَفِرَ بِهِمْ . فَسَارَ عِمْرَانُ ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا ، وَصَارَ أَصْحَابُ حَمْدِيسَ يَقُولُونَ : بَغْدَاذَ ! بَغْدَاذَ ! وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ ، فَانْهَزَمَ حَمْدِيسُ وَمَنْ مَعَهُ ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ ، وَدَخَلَ عِمْرَانُ تُونِسَ . ثُمَّ بَلَغَ ابْنَ الْأَغْلَبِ أَنَّ إِدْرِيسَ بْنَ إِدْرِيسَ الْعَلَوِيَّ قَدْ كَثُرَ جَمْعُهُ بِأَقَاصِي الْمَغْرِبِ ، فَأَرَادَ قَصْدَهُ ، فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا : اتْرُكْهُ مَا تَرَكَكَ ، فَأَعْمِلِ الْحِيلَةَ ، وَكَاتِبِ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ ، وَاسْمُهُ بَهْلُولُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَأَهْدِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَارَقَ إِدْرِيسَ وَأَطَاعَ إِبْرَاهِيمَ ، وَتَفَرَّقَ جَمْعُ إِدْرِيسَ ، فَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَسْتَعْطِفُهُ ، وَيَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَنْ نَاحِيَتِهِ ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَفَّ عَنْهُ . ثُمَّ إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ ، الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَكَانَ مِنْ بِطَانَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ ، وَيَنْزِلُ مَعَهُ فِي قَصْرِهِ ، رَكِبَ يَوْمًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ ، فَلَمْ يَفْهَمْ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِمُهِمٍّ كَانَ لَهُ ، فَاسْتَعَادَ الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ فَغَضِبَ وَفَارَقَ إِبْرَاهِيمَ ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا ، وَثَارَ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَ بَيْنَ الْقَيْرَوَانِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ ، وَصَارَتِ الْقَيْرَوَانُ وَأَكْثَرُ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَهُ . فَخَنْدَقَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْعَبَّاسِيَّةِ ، وَامْتَنَعَ فِيهَا ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً كَامِلَةً ، فَسَمِعَ الرَّشِيدُ الْخَبَرَ ، فَأَنْفَذَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ خِزَانَةَ مَالٍ ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي : مَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَحْضُرْ لِأَخْذِ الْعَطَاءِ . فَفَارَقَ عِمْرَانَ أَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ فَانْهَزَمُوا ، فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ بِالْأَمَانِ وَالْحُضُورِ لِقَبْضِ الْعَطَاءِ ، فَحَضَرُوا فَأَعْطَاهُمْ وَقَلَعَ أَبْوَابَ الْقَيْرَوَانِ وَهَدَمَ فِي سُورِهَا . وَأَمَّا عِمْرَانُ ، فَسَارَ حَتَّى لَحِقَ بِالزَّابِ ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَّنَ عِمْرَانَ ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ ، وَأَسْكَنَهُ مَعَهُ ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ هَذَا ثَأْرٌ بِأَبِيكَ ، وَلَا نَأْمَنُهُ عَلَيْكَ ، فَقَتَلَهُ . وَلَمَّا انْهَزَمَ عِمْرَانُ سَكَنَ الشَّرُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ ، وَأَمِنَ النَّاسُ ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَعُمُرُهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً ، وَإِمَارَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ . ( ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ ) وَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ غَائِبًا بِطَرَابُلُسَ قَدْ حَصَرَهُ الْبَرْبَرُ ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، فَعَهِدَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْإِمَارَةِ ، وَأَمَرَ ابْنَهُ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُبَايِعَ لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْإِمَارَةِ ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ ، وَبِالْإِمَارَةِ ، فَفَارَقَ طَرَابُلُسَ ، وَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ ، فَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ شَرٌّ ، وَلَا حَرْبٌ ، وَسَكَنَ النَّاسُ فَعُمِّرَتِ الْبِلَادُ ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية