الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت جواز الاصطياد بجميعها ، فلا يخلو حال الصيد أن يدرك حيا أو ميتا ، فإن أدرك حيا قوي الحياة ، فلا اعتبار بصفة ما صاده من معلم أو غير معلم عن إرسال واسترسال ، وهو حلال إذا ذكي ، فإن فاتت ذكاته . حتى مات ، فهو حرام ، وإن أدرك الصيد ميتا اعتبر في إباحة أكله تكامل خمسة شروط إذا تكاملت حل ، وإذا لم تتكامل حرم :

                                                                                                                                            أحدها : أن يسترسل الجارح عن أمر مرسله ، فإن استرسل بنفسه لم يحل أكله : لقول الله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم فلم يحل ما أمسكه على نفسه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يكون المرسل مما تحل ذكاته ، فإن كان ممن لا تحل ذكاته حرم : لأن إرساله كالذكاة .

                                                                                                                                            والثالث : أن لا يغيب عن عين مرسله ، فإن غاب عن عين مرسله لم يحل : لأنه قد يحدث بعد مغيبه ما يمنع من إباحته .

                                                                                                                                            والرابع : أن لا يشركه في قتله من لا يحل صيده ، وإن شركه فيه لم يحل .

                                                                                                                                            والخامس : أن يكون الجارح المرسل معلما : لقوله تعالى : تعلمونهن مما علمكم الله فإن كان غير معلم لم يحل .

                                                                                                                                            [ ص: 7 ] وتعليمه يكون بأربعة شروط :

                                                                                                                                            أحدها : أن يستشلي إذا أشلي ، وهو أن يرسل ، فيسترسل .

                                                                                                                                            والثاني : أن يجيب إذا دعي ، وهو أن يعود إذا طلب ، ويزجر إذا زجره .

                                                                                                                                            والثالث : أن يحبس ما أمسكه ، لا يأكله .

                                                                                                                                            والرابع : أن يتكرر ذلك منه مرارا حتى تصير له عادة ، ولا يصير بالمرة والمرتين معلما .

                                                                                                                                            قال الحسن البصري : يصير بالمرة الواحدة معلما .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : يصير بالمرتين معلما : لأن الثانية من الإرسال فتصير عادة .

                                                                                                                                            وهذا فاسد : لأن في تكامل التعليم غير مقنع في العرف : ولأنه لا يمتنع أن يكون بسبب امتناعه في الأولى موجودا في الثانية ، وإذا تكرر مع اختلاف أحواله زال : ولأن مقصود التعليم هو أن ينتقل عن طبعه إلى اختيار مرسله ، وهو لا ينتقل عنه إلا بالمرور عليه : فإن قيل : فقد عبر الشافعي عن إرساله بإشلائه ، وهذا خطأ في اللغة : لأنه يقال : أشليت كلبي إذا دعوته ، وأشليته إذا أرسلته ، واستعمل الإشلاء في ضد معناه فعنه ثلاثة أجوبة :

                                                                                                                                            أحدها : أنه من أسماء الأضداد يجوز استعماله في الأمرين .

                                                                                                                                            والثاني : أنه يستعمل في الدعاء وحده ، لكنه دعاه إلى الصيد ، فجاز أن يكون مشليا له ، كما لو دعاه إلى نفسه كما قال الشاعر :


                                                                                                                                            أشليت غيري ومسحت عقبي

                                                                                                                                            والثالث : أن الإشلاء هو الإغراء ، فبأي شيء أغراه كان مشليا له ، كما قال الشاعر :


                                                                                                                                            صددت ولم يصددن خوفا لريبة     ولكن لإتلاف المحرش والمشلى

                                                                                                                                            أي المغرى ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية