الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5217 ص: وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَتْهُ الْمُقَاتِلَةُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُنَفِّلُهُ فِي الرَّجْعَةِ هُوَ ثُلُثُ الْخُمُسِ بَعْدَ الرُّبْعِ الَّذِي كَانَ نَفَّلَهُ فِي الْبَدْأَةِ فَلَا يَخْرُجُ مِمَّا قُلْنَا. شرح معاني الآثار ش: أَيْ خَالَفَ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَرَادَ بِهِمُ: النَّخَعِيَّ وَالثَّوْرِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ. وَقَالَ الْجَصَّاصُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ: لَا نَفَلَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، إِنَّمَا النَّفَلُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فِي رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبْعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي جَوَازِ النَّفَلِ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. قَوْلُهُ: "وَقَالُوا: قَدْ يَحْتَمِلُ..." إِلَى آخِرِهِ، جَوَابٌ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ . بَيَانُهُ أَنْ يُقَالَ: اسْتِدْلَالُكُمْ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ تَامٍّ. لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنْفِيلُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الرَّجْعَةِ هُوَ ثُلُثُ الْخُمُسِ بَعْدَ الرُّبْعِ الَّذِي كَانَ نَفَّلَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْغَزْوِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحَدِيثُ حُجَّةً لَنَا حَيْثُ يَكُونُ التَّنْفِيلُ بِالثُّلُثِ مِنَ الْخُمُسِ لَا مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ. وَقَالَ الْجَصَّاصُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ فِي سَائِرِ الْغَنَائِمِ وَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ لِلسَّرِيَّةِ فِي الرَّجْعَةِ: "وَجَعَلَ لَهُمْ فِي الرَّجْعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا جَعَلَهُ لَهَا فِي الْبَدْأَةِ". لِأَنَّ فِي الرَّجْعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ وَإِحْرَازِهَا، وَيَكُونُ مَنْ يُوَالِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ مُتَأَهِّبِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ؛ لِانْتِشَارِ الْخَبَرِ بِوُصُولِ الْجَيْشِ إِلَى أَرْضِهِمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ الْغَنِيمَةُ كُلُّهَا لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَجَعَلَهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ فِي حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: "الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ"، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قِيلَ لَهُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْخُمُسَ الْمُسْتَحِقَّ لِأَهْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ بِقَوْلِهِ: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى خُمُسٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ، وَلَمَّا احْتَمَلَ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَا وَصَفْنَا؛ لَمْ يَجُزِ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ؛ إِذْ كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ يَقْتَضِي إِيجَابَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ، فَاقْتَضَى بِهِ إِيجَابَ الْخُمُسِ لِأَهْلِهِ كَاقْتِضَائِهِ إِيجَابَ الْخُمُسِ لِأَهْلِهِ الْمَذْكُورِينَ، فَمَتَى أُحْرِزَتِ الْغَنِيمَةُ فَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ الْجَمِيعِ فِيهَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْهَا لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ مُقْتَضَى الْآيَةِ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ تَخْصِيصُ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية