الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مُلْكِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مَدِينَةَ مُرَّاكِشَ لَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ فَاسَ ، وَتِلْكَ النَّوَاحِي ، سَارَ إِلَى مُرَّاكِشَ ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَمْلَكَةِ الْمُلَثَّمِينَ ، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْمُدُنِ وَأَعْظَمِهَا ، وَكَانَ صَاحِبُهَا حِينَئِذٍ إِسْحَاقَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ ، وَهُوَ صَبِيٌّ ، فَنَازَلَهَا ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، فَضَرَبَ خِيَامَهُ فِي غَرْبِيِّهَا عَلَى جَبَلٍ صَغِيرٍ ، وَبَنَى عَلَيْهِ مَدِينَةً لَهُ وَلِعَسْكَرِهِ ، وَبَنَى بِهَا جَامِعًا وَبَنَى لَهُ بِنَاءً عَالِيًا يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَيَرَى أَحْوَالَ أَهْلِهَا ، وَأَحْوَالَ الْمُقَاتِلِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَقَاتَلَهَا قِتَالًا كَثِيرًا ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ، فَكَانَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ يَخْرُجُونَ يُقَاتِلُونَهُمْ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ ، وَاشْتَدَّ الْجُوعُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ . ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا ، وَجَعَلَ لَهُمْ كَمِينًا ، وَقَالَ لَهُمْ : إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَ الطَّبْلِ فَاخْرُجُوا ، وَجَلَسَ هُوَ بِأَعْلَى الْمِنْظَرَةِ الَّتِي بَنَاهَا يُشَاهِدُ الْقِتَالَ ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُهُ ، وَقَاتَلُوا ، وَصَبَرُوا ، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْهَزَمُوا لِأَهْلِ مُرَّاكِشَ لِيَتْبَعُوهُمْ إِلَى الْكَمِينِ الَّذِي لَهُمْ ، فَتَبِعَهُمُ الْمُلَثَّمُونَ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، فَهَدَمُوا أَكْثَرَ سُورِهَا ، وَصَاحَتِ الْمَصَامِدَةُ بِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِيَأْمُرَ بِضَرْبِ الطَّبْلِ لِيَخْرُجَ الْكَمِينُ ، فَقَالَ لَهُمُ : اصْبِرُوا حَتَّى يَخْرُجَ كُلُّ طَامِعٍ فِي الْبَلَدِ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ أَمَرَ بِالطَّبْلِ فَضُرِبَ وَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ ، وَرَجَعَ الْمَصَامِدَةُ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى الْمُلَثَّمِينَ ، فَقَتَلُوا كَيْفَ شَاءُوا ، وَعَادَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُلَثَّمِينَ ، فَمَاتَ فِي زَحْمَةِ الْأَبْوَابِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ . وَكَانَ شُيُوخُ الْمُلَثَّمِينَ يُدَبِّرُونَ دَوْلَةَ إِسْحَاقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ لِصِغَرِ سِنِّهِ ، فَاتَّفَقَ أَنَّ إِنْسَانًا مَنْ جُمْلَتِهِمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ مُسْتَأْمِنًا وَأَطْلَعَهُ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ ، فَقَوِيَ الطَّمَعُ فِيهِمْ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ ، وَنُصِبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَاتُ وَالْأَبْرَاجُ ، وَفَنِيَتْ أَقْوَاتُهُمْ ، وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ ، وَمَاتَ مِنَ الْعَامَّةِ بِالْجُوعِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ ، فَأَنْتَنَ الْبَلَدُ مِنْ رِيحِ الْمَوْتَى . وَكَانَ بِمُرَّاكِشَ جَيْشٌ مِنَ الْفِرِنْجِ كَانَ الْمُرَابِطُونَ قَدِ اسْتَنْجَدُوا بِهِمْ ، فَجَاءُوا إِلَيْهِمْ نَجْدَةً ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ رَاسَلُوا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ يَسْأَلُونَ الْأَمَانَ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ ، فَفَتَحُوا لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْبَلَدِ يُقَالُ لَهُ بَابُ أَغْمَاتَ ، فَدَخَلَتْ عَسَاكِرُهُ بِالسَّيْفِ ، وَمَلَكُوا الْمَدِينَةَ عَنْوَةً ، وَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا ، وَوَصَلُوا إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَخْرَجُوا الْأَمِيرَ إِسْحَاقَ وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُرَابِطِينَ فَقُتِلُوا ، وَجَعَلَ إِسْحَاقُ يَرْتَعِدُ رَغْبَةً فِي الْبَقَاءِ ، وَيَدْعُو لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَيَبْكِي فَقَامَ إِلَيْهِ سَيْرُ بْنُ الْحَاجِّ ، وَكَانَ إِلَى جَانِبِهِ مَكْتُوفًا فَبَزَقَ فِي وَجْهِهِ ، وَقَالَ : تَبْكِي عَلَى أَبِيكَ وَأُمِّكَ ؟ اصْبِرْ صَبْرَ الرِّجَالِ ، فَهَذَا رَجُلٌ لَا يَخَافُ اللَّهَ وَلَا يَدِينُ بِدِينٍ . فَقَامَ الْمُوَحِّدُونَ إِلَيْهِ بِالْخَشَبِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ ، وَقُدِّمَ إِسْحَاقُ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْمُرَابِطِينَ وَبِهِ انْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَوَلِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ : يُوسُفُ وَعَلِيٌّ وَتَاشَفِينُ وَإِسْحَاقُ . وَلَمَّا فَتَحَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مُرَّاكِشَ أَقَامَ بِهَا ، وَاسْتَوْطَنَهَا وَاسْتَقَرَّ مُلْكُهُ . وَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ مُرَّاكِشَ فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ اخْتَفَى مِنْ أَهْلِهَا ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَمَرَ فَنُودِيَ بِأَمَانِ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَخَرَجُوا ، فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ الْمَصَامِدَةُ قَتْلَهُمْ ، فَمَنَعَهُمْ ، وَقَالَ : هَؤُلَاءِ صُنَّاعٌ ، وَأَهْلُ الْأَسْوَاقِ مَنْ نَنْتَفِعُ بِهِ ، فَتُرِكُوا ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْقَتْلَى مِنَ الْبَلَدِ ، فَأَخْرَجُوهُمْ ، وَبَنَى بِالْقَصْرِ جَامِعًا كَبِيرًا ، وَزَخْرَفَهُ فَأَحْسَنَ عَمَلَهُ ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الْجَامِعِ الَّذِي بَنَاهُ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ . وَلَقَدْ أَسَاءَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ فِي فِعْلِهِ بِالْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ ، وَارْتَكَبَ بِسَجْنِهِ عَلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَقْبَحَ مَرْكَبٍ ، فَلَا جَرَمَ سَلَّطَ اللَّهُ [ عَلَيْهِ فِي عِقَابِهِ ] مَنْ أَرْبَى فِي الْأَخْذِ عَلَيْهِ وَزَادَ ، فَتَبَارَكَ الْحَيُّ الدَّائِمُ الْمَلِكُ ، الَّذِي لَا يَزُولُ مُلْكُهُ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ الدُّنْيَا ، فَأُفٍّ لَهَا ، ثُمَّ أُفٍّ ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَخْتِمَ أَعْمَالَنَا بِالْحُسْنَى ، وَيَجْعَلَ خَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية