الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ حِصْنَ أَفَامِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ أَفَامِيَةَ مِنْ بَلَدِ الشَّامِ . وَسَبَبُ ذَلِكَ : أَنَّ خَلَفَ بْنَ مُلَاعِبٍ الْكِلَابِيَّ كَانَ مُتَغَلِّبًا عَلَى حِمْصَ ، وَكَانَ الضَّرَرُ بِهِ عَظِيمًا ، وَرِجَالُهُ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ ، فَكَثُرَ الْحَرَامِيَّةُ عِنْدَهُ ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسِلَانَ وَأَبْعَدَهُ عَنْهَا ، فَتَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ دَخَلَ إِلَى مِصْرَ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا ، فَأَقَامَ بِهَا . وَاتَّفَقَ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَفَامِيَةَ مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ أَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ مِصْرَ ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِهِمْ ، يَسْتَدْعِي مِنْهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْحِصْنَ ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ ، وَطَلَبَ ابْنُ مُلَاعِبٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُقِيمُ بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّنِي أَرْغَبُ فِي قِتَالِ الْفِرِنْجِ ، وَأُوثِرُ الْجِهَادَ . فَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ ، وَأَخَذُوا رَهَائِنَهُ ، فَلَمَّا مَلَكَهُ خَلَعَ طَاعَتَهُمْ وَلَمْ يَرْعَ حَقَّهُمْ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُونَهُ بِمَا يَفْعَلُونَهُ بِوَلَدِهِ الَّذِي عِنْدَهُمْ . فَأَعَادَ الْجَوَابَ : إِنَّنِي لَا أَنْزِلُ مِنْ مَكَانِي ، وَابْعَثُوا إِلَيَّ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وَلَدِي حَتَّى آكُلَهُ ، فَأَيِسُوا مِنْ رُجُوعِهِ إِلَى الطَّاعَةِ ، وَأَقَامَ بِأَفَامِيَةَ يُخِيفُ السَّبِيلَ ، وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ . ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ مَلَكُوا سَرْمِينَ ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ ، وَأَهْلُهَا غُلَاةٌ فِي التَّشَيُّعِ ، فَلَمَّا مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ تَفَرَّقَ أَهْلُهَا ، فَتَوَجَّهَ الْقَاضِي الَّذِي بِهَا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ وَأَقَامَ عِنْدَهُ ، فَأَكْرَمَهُ ، وَأَحَبَّهُ ، وَوَثِقَ بِهِ ، فَأَعْمَلَ الْقَاضِي الْحِيلَةَ عَلَيْهِ ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَاهِرٍ ، الْمَعْرُوفِ بِالصَّائِغِ ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ وَوُجُوهِ الْبَاطِنِيَّةِ وَدُعَاتِهِمْ ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِابْنِ مُلَاعِبٍ ، وَأَنْ يُسَلِّمَ أَفَامِيَةَ إِلَى الْمَلِكِ رِضْوَانَ ، فَظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ، فَأَتَى ابْنُ مُلَاعِبٍ أَوْلَادَهُ ، وَكَانُوا قَدْ تَسَلَّلُوا مِنْ مِصْرَ ، وَقَالُوا لَهُ : قَدْ بَلَغَنَا عَنْ هَذَا الْقَاضِي كَذَا وَكَذَا ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُعَاجِلَهُ ، وَتَحْتَاطَ لِنَفْسِكَ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ . فَأَحْضَرَهُ ابْنُ مُلَاعِبٍ ، فَأَتَاهُ فِي كُمِّهِ مُصْحَفٌ ، لِأَنَّهُ رَأَى أَمَارَاتِ الشَّرِّ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُلَاعِبٍ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنِّي أَتَيْتُكَ خَائِفًا جَائِعًا ، فَأَمَّنْتَنِي ، وَأَغْنَيْتَنِي ، وَعَزَّزْتَنِي ، فَصِرْتُ ذَا مَالٍ وَجَاهٍ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ حَسَدَنِي عَلَى مَنْزِلَتِي مِنْكَ ، وَمَا غَمَرَنِي مِنْ نِعْمَتِكَ سَعَى بِي إِلَيْكَ ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تَأْخُذَ جَمِيعَ مَا مَعِي ، وَأَخْرُجُ كَمَا جِئْتُ . وَحَلَفَ لَهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَالنُّصْحِ ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَأَمَّنُهُ . وَعَاوَدَ الْقَاضِيَ مُكَاتَبَةَ أَبِي طَاهِرِ بْنِ الصَّائِغِ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَافِقَ رِضْوَانَ عَلَى إِنْفَاذِ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ سَرْمِينَ ، وَيُنْفِذُ مَعَهُمْ خَيْلًا مِنْ خُيُولِ الْفِرِنْجِ ، وَسِلَاحًا مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ ، وَرُءُوسًا مِنْ رُءُوسِ الْفِرِنْجِ ، يَأْتُوا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ وَيُظْهِرُوا أَنَّهُمْ غُزَاةً وَيَشْكُوا مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ فَارَقُوهُ ، فَلَقِيَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ ، فَظَفِرُوا بِهِمْ ، وَيَحْمِلُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ إِلَيْهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُقَامِ اتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ عَلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ ، فَفَعَلَ ابْنُ الصَّائِغِ ذَلِكَ ، وَوَصَلَ الْقَوْمُ إِلَى أَفَامِيَةَ ، وَقَدِمُوا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ ، وَأَنْزَلَهُمْ فِي رَبَضِ أَفَامِيَةَ . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي نَامَ الْحُرَّاسُ بِالْقَلْعَةِ ، فَقَامَ الْقَاضِي وَمَنْ بِالْحِصْنِ مِنْ أَهْلِ سَرْمِينَ ، وَدَلُّوا الْحِبَالَ وَأَصْعَدُوا أُولَئِكَ الْقَادِمِينَ جَمِيعَهُمْ ، وَقَصَدُوا أَوْلَادَ ابْنِ مُلَاعِبٍ ، وَبَنِي عَمِّهِ ، وَأَصْحَابَهُ ، فَقَتَلُوهُمْ ، وَأَتَى الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَأَحَسَّ بِهِمْ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : مَلَكُ الْمَوْتِ جِئْتُ لِقَبْضِ رُوحِكَ ! فَنَاشَدَهُ اللَّهَ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ ، وَجَرَحَهُ ، وَقَتَلَهُ ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ ، وَهَرَبَ ابْنَاهُ ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا ، وَالْتَحَقَ الْآخَرُ بِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُنْقِذٍ ، صَاحِبِ شَيْزَرَ ، فَحَفِظَهُ لِعَهْدٍ كَانَ بَيْنَهُمَا . وَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ الصَّائِغِ خَبَرَ أَفَامِيَةَ سَارَ إِلَيْهَا ، وَهُوَ يَشُكُّ أَنَّهَا لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي : إِنْ وَافَقْتَنِي ، وَأَقَمْتَ مَعِي ، فَبِالرَّحْبِ وَالسَّعَةِ ، وَنَحْنُ بِحُكْمِكَ ، وَإِلَّا فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ . فَأَيِسَ ابْنُ الصَّائِغِ مِنْهُ ، وَكَانَ أَحَدُ أَوْلَادِ ابْنِ مُلَاعِبٍ بِدِمَشْقَ عِنْدَ طُغْتِكِينَ ، غَضْبَانُ عَلَى أَبِيهِ ، فَوَلَّاهُ طُغْتِكِينُ حِصْنًا ، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ حِفْظَ الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ ، وَأَخَذَ الْقَوَافِلَ ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى طُغْتِكِينَ مِنْهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ طَلَبَهُ ، فَهَرَبَ إِلَى الْفِرِنْجِ ، وَاسْتَدْعَاهُمْ إِلَى حِصْنِ أَفَامِيَةَ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ قُوتِ شَهْرٍ ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ يُحَاصِرُونَهُ ، فَجَاعَ أَهْلُهُ ، وَمَلَكَهُ الْفِرِنْجُ ، وَقَتَلُوا الْقَاضِيَ الْمُتَغَلِّبَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذُوا الصَّائِغَ فَقَتَلُوهُ ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَ مَذْهَبَ الْبَاطِنِيَّةِ بِالشَّامِ . هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ الصَّائِغَ قَتَلَهُ الْفِرِنْجُ بِأَفَامِيَةَ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ابْنَ بَدِيعٍ ، رَئِيسَ حَلَبَ ، قَتَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ، بَعْدَ وَفَاةِ رِضْوَانَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية