الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، فِي جُمَادَى الْأُولَى ، قَدِمَ إِلَى بَغْدَاذَ أَرْدِشِيرِينُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاعِظُ ، الْعَبَّادِيُّ ، وَأَكْثَرَ الْوَعْظَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ ، وَهُوَ مَرْوَزِيٌّ ، وَقَدِمَ بَغْدَاذَ قَاصِدًا لِلْحَجِّ ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيمٌ ، بِحَيْثُ إِنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْكِبَارِ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَهُ ، وَذُرِعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا الرِّجَالُ ، فَكَانَ طُولُهَا مِائَةً وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَعَرَضُهَا مِائَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا ، وَكَانُوا يَزْدَحِمُونَ ازْدِحَامًا كَثِيرًا ، وَكَانَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ ، وَعِبَادَاتٌ كَثِيرَةٌ . وَكَانَ سَبَبُ مَنْعِهِ مِنَ الْوَعْظِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَتَعَامَلَ النَّاسُ بِبَيْعِ الْقُرَاضَةِ بِالصَّحِيحِ ، وَقَالَ : هُوَ رِبَا ، فَمُنِعَ مِنَ الْوَعْظِ ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْبَلَدِ . وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْعَامَّةِ ، وَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ الْفَرِيقَ الْآخَرَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَاتِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، وَقَتَلَ أَهْلُ النَّصْرِيَّةِ مُصْلَحِيًّا ، فَأَرْسَلَ كُوهَرَائِينُ فَأَحْرَقَهَا ، وَاتَّصَلَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ لِلْعَمِيدِ الْأَغَرِّ أَبِي الْمَحَاسِنِ الدِّهِسْتَانِيِّ فِي إِطْفَاءِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَثَرٌ حَسَنٌ . وَفِيهَا ، فِي شَعْبَانَ ، سَارَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ ، فَلَقِيَهُ بِنَصِيبِينَ ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى بَغْدَاذَ ، فَوَصَلَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَمَعَهُ وَزِيرُهُ عِزُّ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ ، وَخَرَجَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ وَالنَّاسُ إِلَى لِقَائِهِ مِنْ عَقْرَقُوفَ . وَفِيهَا وُلِدَ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ وَلَدٌ سُمِّيَ الْفَضْلَ ، وَكُنِّيَ أَبَا مَنْصُورٍ ، وَلُقِّبَ عُمْدَةَ الدِّينِ ، وَهُوَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ . وَفِيهَا ، فِي رَمَضَانَ ، قُتِلَ الْأَمِيرُ يَلْبُرَدُ ، قَتَلَهُ بَرْكِيَارُقُ ، وَكَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ مَعَ أَبِيهِ ، فَزَادَهُ بِرْكِيَارُقُ إِقْطَاعَ كُوهَرَائِينَ ، وَشَحْنَكِيَّةَ بَغْدَاذَ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى دَقُوقَا أُعِيدَ مِنْهَا لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَالِدَةِ السُّلْطَانِ بِرْكِيَارُقَ ، بِكَلَامٍ شَنِيعٍ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَصْبَحَ مَقْتُولًا . [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا ( فِي الْمُحَرَّمِ ) تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ أَبُو الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ ، الْهَكَّارِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ فَاضِلًا ، عَابِدًا ، كَثِيرَ السَّمَاعِ ، إِلَّا أَنَّ الْغَرَائِبَ فِي حَدِيثِهِ كَثِيرَةٌ لَا يُدْرَى مَا سَبَبُهَا . ( وَالْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْعِجْلِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مَاكُولَا ، مُصَنِّفِ كِتَابِ " الْإِكْمَالِ " ، قَتَلَهُ غِلْمَانُهُ الْأَتْرَاكُ بِكَرْمَانَ ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَكَانَ حَافِظًا ) . وَفِيهَا ، فِي صَفَرٍ ، تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَامِرٌ الضَّرِيرُ ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا ، مُقْرِئًا ، نَحْوِيًّا ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ بِالْإِمَامِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ . وَفِي جُمَادَى الْأُولَى تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُقْتَدِي ، وَأُمُّهُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ " الْجَعْفَرِيَّاتُ " . وَفِي رَجَبٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُحْسِنِ الْوَكِيلُ بِالْمَخْزَنِ ، وَكَانَ فَقِيهًا شَافِعِيًّا ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي وِلَايَتِهِ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ كَمَالُ الْمُلْكِ الدِّهِسْتَانِيُّ الَّذِي كَانَ عَمِيدَ بَغْدَاذَ . وَفِي رَمَضَانَ تُوُفِّيَ الْمُشَطَّبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ بِالْكُحَيْلِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ أَرْسَلَهُ إِلَى بَرْكِيَارُقَ ، وَكَانَ بِالْمَوْصِلِ ، وَمَعَهُ تَاجُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْمُوصِلَايَا ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا عَالِمًا ، مُكَرَّمًا عِنْدَ الْمُلُوكِ ، وَحُمِلَ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهِ تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَرْزَبِينِيُّ ، قَاضِي بَابِ الْأَزْجِ ، وَوُلِّيَ مَكَانَهُ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِي ، وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي شَافِعِيًّا ، أَشْعَرِيًّا ، مُغَالِيًا ، وَلَهُ مَعَ أَهْلِ بَابِ الْأَزْجِ أَقَاصِيصُ وَحِكَايَاتٌ عَجِيبَةٌ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ أَبُو اللَّيْثِ ، وَأَبُو الْفَتْحِ التُّنْكُتِيُّ ، لَهُ كُنْيَتَانِ ، سَافَرَ [ فِي ] الْبِلَادِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، رَوَى صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ ، وَكَانَ ثِقَةً ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيُّ ، الْفَقِيهُ ، وَكَانَ وَافِرَ الْعِلْمِ ، غَزِيرَ الدِّينِ ، حَسَنَ الْوَعْظِ وَالسَّمْتِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية