الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَهْلِ بَغْدَاذَ ثَانِيَةً وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ، فِي جُمَادَى الْأُولَى ، كَثُرَتِ الْفِتَنُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَحَالِّ ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ ، وَاسْتَوْلَى أَهْلُ الْمَحَالِّ عَلَى قِطْعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ نَهْرِ الدَّجَاجِ ، فَنَهَبُوهَا ، وَأَحْرَقُوهَا ، فَنَزَلَ شِحْنَةُ بَغْدَاذَ ، وَهُوَ خِمَارْتِكِينَ النَّائِبُ عَنْ كُوهَرَائِينَ ، عَلَى دِجْلَةَ فِي خَيْلِهِ وَرَجْلِهِ ، لِيَكُفَّ النَّاسَ عَنِ الْفِتْنَةِ ، فَلَمْ يَنْتَهُوا ، وَكَانَ أَهْلُ الْكَرْخِ يُجْرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْجِرَايَاتِ وَالْإِقَامَاتِ . وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَصَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى سُوَيْقَةِ غَالِبٍ فَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِالْقِتَالِ ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى كَشَفُوهُمْ . فَرَكِبَ خَدَمُ الْخَلِيفَةِ وَالْحُجَّابُ وَالنُّقَبَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْيَانِ الْحَنَابِلَةِ ، كَابْنِ عَقِيلٍ ، وَالْكَلْوَذَانِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، إِلَى الشِّحْنَةِ ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْكَرْخِ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مِثَالًا مِنَ الْخَلِيفَةِ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ ، وَمُعَاوَدَةِ السُّكُونِ ، وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْعَةِ ، وَالتَّدَيُّنِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، فَأَجَابُوا إِلَى الطَّاعَةِ . فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمُ الصَّارِخُ مِنْ نَهْرِ الدَّجَاجِ بِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ قَصَدُوهُمْ ، وَالْقِتَالُ عِنْدَهُمْ ، فَمَضَوْا مَعَ الشِّحْنَةِ ، وَمُنِعُوا مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَسَكَنَ النَّاسُ وَكَتَبَ أَهْلُ الْكَرْخِ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِهِمْ : خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِّيٌ ، وَمِنْ عِنْدَ هَذَا الْيَوْمِ ثَارَ أَهْلُ الْكَرْخِ ، وَقَصَدُوا شَارِعَ ابْنِ أَبِي عَوْفٍ وَنَهَبُوهُ . وَفِي جُمْلَةِ مَا نَهَبُوا دَارُ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ خَيْرُونَ الْمُعَدَّلِ ، فَقَصَدَ الدِّيوَانَ مُسْتَنْفِرًا ، وَمَعَهُ النَّاسُ ، وَرَفَعَ الْعَامَّةُ الصُّلْبَانَ وَهَجَمُوا عَلَى الْوَزِيرِ فِي هِجْرَتِهِ ، وَأَكْثَرُوا مِنَ الْكَلَامِ الشَّنِيعِ ، وَقُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ مِنْ أَهْلِ بَابِ الْأَزَجِّ بِسَهْمٍ أَصَابَهُ ، فَثَارَ الْعَامَّةُ هُنَاكَ بِعَلَوِيٍّ كَانَ مُقِيمًا بَيْنَهُمْ . فَقَتَلُوهُ وَحَرَقُوهُ ، وَجَرَى مِنَ النَّهْبِ ، وَالْقَتْلِ ، وَالْفَسَادِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بْنَ مَزْيَدٍ ، فَأَرْسَلَ عَسْكَرًا إِلَى بَغْدَاذَ ، فَطَلَبُوا الْمُفْسِدِينَ وَالْعَيَّارِينَ ، فَهَرَبُوا مِنْهُمْ ، فَهُدِمَتْ دُورُهُمْ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَنُفِيَ وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ ، وَأَمِنَ النَّاسُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية