الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وَقْعَةِ الزَّلَّاقَةِ بِالْأَنْدَلُسِ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ . قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ طُلَيْطُلَةَ ، وَمَا فَعَلَهُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ بِرَسُولِ الْأَذْفُونْشِ ، مَلِكِ الْفِرِنْجِ ، وَعَوْدِ الْمُعْتَمِدِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ . فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا ، وَسَمِعَ مَشَايِخُ قُرْطُبَةَ بِمَا جَرَى ، وَرَأَوْا قُوَّةَ الْفِرِنْجِ ، وَضَعْفَ الْمُسْلِمِينَ ، وَاسْتِعَانَةَ بَعْضِ مُلُوكِهِمْ بِالْفِرِنْجِ عَلَى بَعْضٍ ، اجْتَمَعُوا وَقَالُوا : هَذِهِ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْفِرِنْجُ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ ، وَإِنِ اسْتَمَرَّتِ الْأَحْوَالُ عَلَى مَا نَرَى عَادَتْ نَصْرَانِيَّةً كَمَا كَانَتْ . وَسَارُوا إِلَى الْقَاضِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَدْهَمَ ، فَقَالُوا لَهُ : أَلَا تَنْظُرُ إِلَى مَا فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ ، وَعَطَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا ، وَقَدَ رَأَيْنَا رَأْيًا نَعْرِضُهُ عَلَيْكَ . قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالُوا : نَكْتُبُ إِلَى غَرْبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَنَبْذُلُ لَهُمْ ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَيْنَا قَاسَمْنَاهُمْ أَمْوَالَنَا ، وَخَرْجَنَا مَعَهُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ : نَخَافُ ، إِذَا وَصَلُوا إِلَيْنَا ، يُخَرِّبُونَ بِلَادَنَا ، كَمَا فَعَلُوا بِإِفْرِيقِيَّةَ ، وَيَتْرُكُونَ الْفِرِنْجَ وَيَبْدَءُونَ بِكُمْ ، وَالْمُرَابِطُونَ أَصْلَحُ مِنْهُمْ وَأَقْرَبُ إِلَيْنَا . قَالُوا لَهُ : فَكَاتِبْ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ لِيَعْبُرَ إِلَيْنَا ، وَيُرْسِلَ بَعْضَ قُوَّادِهِ . وَقَدِمَ عَلَيْهِمُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ أَدْهَمَ مَا كَانُوا فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّادٍ : أَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَامْتَنَعَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ مِنْ تُهْمَةٍ ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُعْتَمِدُ ، فَسَارَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ ( يُوسُفَ بْنِ تَاشْفِينَ ) ، فَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ ، وَأَعْلَمَهُ مَا فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْأَذْفُونْشِ . وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةِ سَبْتَةَ ، فَفِي الْحَالِ أَمَرَ بِعُبُورِ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَرَّاكُشَ فِي طَلَبِ مَنْ بَقِيَ مِنْ عَسَاكِرِهِ ، فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ تَتْلُو بَعْضَهَا بَعْضًا ، فَلَمَّا تَكَامَلَتْ عِنْدَهُ عَبَرَ الْبَحْرَ وَسَارَ ، فَاجْتَمَعَبِالْمُعْتَمِدِ بْنِ عَبَّادٍ بِإِشْبِيلِيَّةَ ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ أَيْضًا ، وَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ قُرْطُبَةَ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ ، وَقَصَدَهُ الْمُتَطَوِّعَةُ مِنْ سَائِرِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ . وَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْأَذْفُونْشِ ، فَجَمَعَ فُرْسَانَهُ وَسَارَ مِنْ طُلَيْطُلَةَ ، وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ كِتَابًا كَتَبَهُ لَهُ بَعْضُ أُدَبَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، يُغْلِظُ لَهُ الْقَوْلُ ، وَيَصِفُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ ، وَبَالَغَ الْكَاتِبُ فِي الْكِتَابِ . فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْقَصِيرَةِ أَنْ يُجِيبَهُ ، وَكَانَ كَاتِبًا مُفْلِقًا ، فَكَتَبَ فَأَجَادَ ، فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : هَذَا كِتَابٌ طَوِيلٌ ، أَحْضِرْ كِتَابَالْأَذْفُونْشِ وَاكْتُبْ فِي ظَهْرِهِ الَّذِي يَكُونُ سَتْرًا لَهُ . فَلَمَّا عَادَ الْكِتَابُ إِلَى الْأَذْفُونْشِ ارْتَاعَ لِذَلِكَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ بُلِيَ بِرَجُلٍ لَهُ عَزْمٌ وَحَزْمٌ ، فَازْدَادَ اسْتِعْدَادًا ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ رَاكِبُ فِيلٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبْلٌ صَغِيرٌ ، وَهُوَ يَنْقُرُ فِيهِ ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى الْقِسِّيسِينَ ، فَلَمْ يَعْرِفُوا تَأْوِيلَهَا فَأَحْضَرَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، عَالِمًا بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِ ، فَاسْتَعْفَاهُ مِنْ تَعْبِيرِهَا ، فَلَمْ يُعْفِهِ ، فَقَالَ : تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ، وَيَقْتَضِي هَلَاكَ هَذَا الْجَيْشِ الَّذِي تَجْمَعُهُ . فَلَمَّا اجْتَمَعَ جَيْشُهُ رَأَى كَثْرَتَهُ فَأَعْجَبَتْهُ ، فَأَحْضَرَ ذَلِكَ الْمُعَبِّرَ ، وَقَالَ لَهُ : بِهَذَا الْجَيْشِ أَلْقَى إِلَهَ مُحَمَّدٍ ، صَاحِبِ كِتَابِكُمْ ، فَانْصَرَفَ الْمُعَبِّرُ ، وَقَالَ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ : هَذَا الْمَلِكُ هَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ مَعَهُ ، وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ " الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : " وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ " . وَسَارَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَتَّى أَتَوْا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا الزَّلَّاقَةُ ، مِنْ بَلَدِ بَطَلْيُوسَ ، وَأَتَى الْأَذْفُونْشَ فَنَزَلَ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا ، فَقِيلَ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ : إِنَّ ابْنَ عَبَّادٍ رُبَّمَا لَمْ يَنْصَحْ ، وَلَا يَبْذُلُ نَفْسَهُ دُونَكَ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَسَارَ ، وَقَدْ ضَرَبَ الْأَذْفُونْشَ خِيَامَهُ فِي لَحْفِ جَبَلٍ ، وَالْمُعْتَمِدُ فِي سَفْحِ جَبَلٍ آخَرَ ، يَتَرَاءَوْنَ ، وَيَنْزِلُ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَرَاءَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَهُ الْمُعْتَمِدُ ، وَظَنَّ الْأَذْفُونْشُ أَنَّ عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ إِلَّا الَّذِي يَرَاهُ . وَكَانَ الْفِرِنْجُ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا ، فَتَيَقَّنُوا الْغَلَبَ ، وَأَرْسَلَ الْأَذْفُونْشُ إِلَى الْمُعْتَمِدِ فِي مِيقَاتِ الْقِتَالِ ، وَقَصَدَهُ الْمَلِكُ ، فَقَالَ : غَدًا الْجُمُعَةُ ، وَبَعْدَهُ الْأَحَدُ ، فَيَكُونُ اللِّقَاءُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، فَقَدْ وَصَلْنَا عَلَى حَالِ تَعَبٍ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا ، وَرَكِبَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَحَرًا ، وَصَبَّحَ بِجَيْشِهِ جَيْشَ الْمُعْتَمِدِ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ ، غَدْرًا ، وَظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُخَيَّمَ هُوَ جَمِيعُ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ، فَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَزِيمَةِ . وَكَانَ الْمُعْتَمِدُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُعْلِمُهُ بِمَجِيءِ الْفِرِنْجِ لِلْحَرْبِ ، فَقَالَ : احْمِلُونِي إِلَى خِيَامِ الْفِرِنْجِ ، فَسَارَ إِلَيْهَا ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى خِيَامِ الْفِرِنْجِ ، فَنَهَبَهَا ، وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا ، فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ لَمْ يَتَمَالَكُوا أَنِ انْهَزَمُوا ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ ، وَتَبِعَهُمُ الْمُعْتَمِدُ مِنْ خَلْفِهِمْ ، وَلَقِيَهُمْ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ، وَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَنَجَا الْأَذْفُونْشُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رُءُوسِ الْقَتْلَى كُوَمًا كَثِيرَةً ، فَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ جِيفَتْ فَأَحْرَقُوهَا : وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ] ، وَأَصَابَ الْمُعْتَمِدُ جِرَاحَاتٍ فِي وَجْهِهِ ، وَظَهَرَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ شَجَاعَتُهُ . وَلَمْ يَرْجِعْ مِنَ الْفِرِنْجِ إِلَى بِلَادِهِمْ غَيْرُ ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ مَا لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَعَادَ ابْنُ عَبَّادٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، وَرَجَعَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ ، وَعَبَرَ إِلَى سَبْتَةَ ، وَسَارَ إِلَى مَرَّاكُشَ ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَعَادَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ ، وَحَضَرَ مَعَهُ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ فِي عَسْكَرِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُلَكِّين الصَّنْهَاجِيُّ ، صَاحِبُ غَرْنَاطَةَ ، فِي عَسْكَرِهِ ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى لِيطٍ ، وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ بِيَدِ الْفِرِنْجِ ، فَحَصَرُوهُ حَصْرًا شَدِيدًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِهِ ، فَرَحَلُوا عَنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي ، فَعَادَ ابْنُ عَبَّادٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، وَعَادَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى غَرْنَاطَةَ ، وَهِيَ طَرِيقُهُ ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُلَكِّينْ ، فَغَدَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَخَذَ غَرْنَاطَةَ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا ، فَرَأَى فِي قُصُورِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ مَا لَمْ يَحْوِهِ مَلِكٌ قَبْلَهُ بِالْأَنْدَلُسِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَجَدَهُ سُبْحَةٌ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ جَوْهَرَةٍ ، قُوِّمَتْ كُلُّ جَوْهَرَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ جَلِيلَةٌ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا ، وَأَخَذَ مَعَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَأَخَاهُ تَمِيمًا ابْنِي بُلَكِّينْ إِلَى مَرَّاكُشَ ، فَكَانَتْ غَرْنَاطَةُ أَوَّلَ مَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ سَبَبَ دُخُولِ صَنْهَاجَةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ ، وَعَوْدِ مَنْ عَادَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا ، وَأُخِذَتْ مَدِينَتُهُ ، وَرَحَلَ إِلَى الْعُدْوَةِ . وَلَمَّا رَجَعَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُرَّاكِشَ أَطَاعَهُ مَنْ كَانَ لَمْ يُطِعْهُ مِنْ بِلَادِ السُّوسِ ، وَوَرْغَةَ ، وَقَلْعَةِ مَهْدِيٍّ ، وَقَالَ لَهُ عُلَمَاءُ الْأَنْدَلُسِ إِنَّهُ لَيْسَتْ طَاعَتُهُ بِوَاجِبَةٍ حَتَّى يَخْطُبَ لِلْخَلِيفَةِ ، وَيَأْتِيَهُ تَقْلِيدٌ مِنْهُ بِالْبِلَادِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ بِبَغْدَاذَ ، فَأَتَاهُ الْخِلَعُ ، وَالْأَعْلَامُ ، وَالتَّقْلِيدُ ، وَلُقِّبَ بِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَاصِرِ الدِّينِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية