الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْعَامَّةِ بِبَغْدَاذَ وَإِحْرَاقِ الْمَشْهَدِ - عَلَى سَاكِنِيهِ السَّلَامُ - فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ تَجَدَّدَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ ، وَعَظُمَتْ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ قَدِيمًا ، فَكَانَ الِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ غَيْرَ مَأْمُونِ الِانْتِقَاضِ ، لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْإِحَن‏ِ . وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكَرْخِ شَرَعُوا فِي عَمَلِ بَابِ السَّمَّاكِينَ ، وَأَهْلَ الْقَلَّائِينَ فِي عَمَلِ مَا بَقِيَ مِنْ بَابِ مَسْعُودٍ ، فَفَرَغَ أَهْلُ الْكَرْخِ ، وَعَمِلُوا أَبْرَاجًا كَتَبُوا عَلَيْهَا بِالذَّهَبِ : ‏ محَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ . وَأَنْكَرَ السُّنَّةُ ذَلِكَ وَادَّعَوْا أَنَّ الْمَكْتُوبَ : ‏ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ ، فَمَنْ رَضِيَ فَقَدْ شَكَرَ ، وَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ . وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْكَرْخِ الزِّيَادَةَ وَقَالُوا‏ : ا تَجَاوَزْنَا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُنَا فِيمَا نَكْتُبُهُ عَلَى مَسَاجِدِنَا‏ . ‏ فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبَا تَمَامٍ نَقِيبَ الْعَبَّاسِيِّينَ ، وَنَقِيبَ الْعَلَوِيِّينَ وَهُوَ عَدْنَانُ بْنُ الرَّضِيِّ ، لِكَشْفِ الْحَرْبِ وَإِنْهَائِهِ ، فَكَتَبَا بِتَصْدِيقِ قَوْلِ الْكَرْخِيِّينَ ، فَأَمَرَ حِينَئِذٍ الْخَلِيفَةُ وَنُوَّابُ الرَّحِيمِ بِكَفِّ الْقِتَالِ ، فَلَمْ يَقْبَلُوا ، وَانْتَدَبَ ابْنُ الْمُذْهِبِ الْقَاضِي وَالزُّهَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَصْحَابِ عَبْدِ الصَّمَدِ [ أَنْ ] يَحْمِلَ الْعَامَّةَ عَلَى الْإِغْرَاقِ فِي الْفِتْنَةِ ، فَأَمْسَكَ نُوَّابُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَنْ كَفِّهِمْ غَيْظًا مِنْ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ لِمَيْلِهِ إِلَى الْحَنَابِلَةِ ، وَمَنْعِ هَؤُلَاءِ السُّنَّةِ مِنْ حَمْلِ الْمَاءِ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى الْكَرْخِ ، وَكَانَ نَهْرُ عِيسَى قَدِ انْفَتَحَ بَثْقُهُ ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ ، وَانْتُدِبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَقَصَدُوا دِجْلَةَ وَحَمَلُوا الْمَاءَ وَجَعَلُوهُ فِي الظُّرُوفِ ، وَصَبُّوا عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ ، وَنَادَوْا‏ : ‏ الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ . فَأَغْرَوْا بِهِمُ السُّنَّة‏َ . ‏ وَتَشَدَّدَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ عَلَى الشِّيعَةِ ، فَمَحَوْا : خَيْرَ الْبَشَرِ ، وَكَتَبُوا‏ : ‏ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فَقَالَتِ السُّنَّة‏ُ : ‏ لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ يُقْلَعَ الْآجُرُّ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ ، وَأَنْ لَا يُؤَذَّن‏ حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ . وَامْتَنَعَ الشِّيعَةُ مِنْ ذَلِكَ ، وَدَامَ الْقِتَالُ إِلَى ثَالِثِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَقُتِلَ فِيهِ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ مِنَ السُّنَّةِ ، فَحَمَلَهُ أَهْلُهُ عَلَى نَعْشٍ ، وَطَافُوا بِهِ فِي الْحَرْبِيَّةِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ وَسَائِرِ مَحَالِّ السُّنَّةِ ، وَاسْتَنْفَرُوا النَّاسَ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِهِ ، ثُمَّ دَفَنُوهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَضْعَافَ مَا تَقَدَّمَ ‏ . فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ دَفْنِهِ قَصَدُوا مَشْهَدَ بَابِ التِّبْنِ فَأُغْلِقَ بَابُهُ ، فَنَقَّبُوا فِي سُورِهِ وَتَهَدَّدُوا الْبَوَّابَ ، فَخَافَهُمْ وَفَتَحَ الْبَابَ ، فَدَخَلُوا وَنَهَبُوا مَا فِي الْمَشْهَدِ مِنْ قَنَادِيلَ وَمَحَارِيبَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَسُتُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَنَهَبُوا مَا ( فِي التُّرْبِ وَالدُّورِ ) وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ فَعَادُوا‏ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ كَثُرَ الْجَمْعُ ، فَقَصَدُوا الْمَشْهَدَ ، وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ التُّرْبِ وَالْآزَاجِ ، وَاحْتَرَقَ ضَرِيحُ مُوسَى ، وَضَرِيحُ ابْنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالْجِوَارُ ، وَالْقُبَّتَانِ السَّاجُ اللَّتَانِ عَلَيْهِمَا ، وَاحْتَرَقَ مَا يُقَابِلُهُمَا وَيُجَاوِرُهُمَا مِنْ قُبُورِ مُلُوكِ بَنِي بُوَيْهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ، وَجَلَالِ الدَّوْلَةِ ، وَمِنْ قُبُورِ الْوُزَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ ، وَقَبْرُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمَنْصُورِ ، وَقَبْرُ الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ ، وَقَبْرُ أُمِّهِ زُبَيْدَةَ ، وَجَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ مَا لَمْ يَجْرِ فِي الدُّنْيَا مِثْلُه‏ُ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَامِسُ الشَّهْرِ عَادُوا وَحَفَرُوا قَبْرَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، لِيَنْقُلُوهُمَا إِلَى مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَحَالَ الْهَدْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْقَبْرِ ، فَجَاءَ الْحَفْرُ إِلَى جَانِبِهِ . وَسَمِعَ أَبُو تَمَامٍ نَقِيبُ الْعَبَّاسِيِّينَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ السُّنَّةِ الْخَبَرَ ، فَجَاءُوا وَمَنَعُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَقَصَدَ أَهْلُ الْكَرْخِ إِلَى خَانِ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيِّينَ فَنَهَبُوهُ ، وَقَتَلُوا مُدَرِّسَ الْحَنَفِيَّةِ أَبَا سَعْدٍ السَرَخْسَيَّ ، وَأَحْرَقُوا الْخَانَ وَدُورَ الْفُقَهَاءِ ) ، وَتَعَدَّتِ الْفِتْنَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ، فَاقْتَتَلَ أَهْلُ بَابِ الطَّاقِ وَسُوقِ بَجٍّ وَالْأَسَاكِفَةُ وَغَيْرُهُم‏ْ . وَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ إِحْرَاقِ الْمَشْهَدِ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ عَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ وَبَلَغَ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ ، لِأَنَّهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَسَائِرَ أَعْمَالِهِ مِنَ النِّيلِ وَتِلْكَ الْوِلَايَةَ كُلُّهُمْ شِيعَةٌ ، فَقُطِعَتْ فِي أَعْمَالِهِ خُطْبَةُ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، فَرُوسِلَ فِي ذَلِكَ وَعُوتِبَ ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ أَهْلَ وِلَايَتِهِ شِيعَةٌ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ ، كَمَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يُمْكِنْهُ كَفُّ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِالْمَشْهَدِ مَا فَعَلُوا ، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ إِلَى حَالِهَا‏ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية