الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ فَسَادِ حَالِ الدَّزْبَرِيِّ بِالشَّامِ وَمَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ بِالْبِلَادِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَسَدَ أَمْرُ أَنُّوشْتِكِينَ الدَّزْبَرِيِّ نَائِبِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ صَاحِبِ مِصْرَ بِالشَّامِ ، وَقَدْ كَانَ كَبِيرًا عَلَى مَخْدُومِهِ بِمَا يَرَاهُ مَنْ تَعْظِيمِ الْمُلُوكِ لَهُ ، وَهَيْبَةِ الرُّومِ مِنْهُ . وَكَانَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَرْجَرَائِيُّ يَقْصِدُهُ وَيَحْسُدُهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِدُ طَرِيقًا إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيهِ ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ سُعِيَ بِكَاتِبٍ لِلدَّزْبَرِيِّ اسْمُهُ أَبُو سَعْدٍ ، وَقِيلَ عَنْهُ : إِنَّهُ يَسْتَمِيلُ صَاحِبَهُ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ ، فَكُوتِبَ الدَّزْبَرِيُّ بِإِبْعَادِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَاسْتَوْحَشُوا مِنْهُ ، وَوَضَعَ الْجَرْجَرَائِيُّ حَاجِبَ الدَّزْبَرِيِّ وَغَيْرَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ . ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَجْنَادِ قَصَدُوا مِصْرَ ، وَشَكَوْا إِلَى الْجَرْجَرَائِيِّ مِنْهُ ، فَعَرَّفَهُمْ سُوءَ رَأْيِهِ فِيهِ ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى دِمَشْقَ ، وَأَمَرَهُمْ بِإِفْسَادِ الْجُنْدِ عَلَيْهِ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ . وَأَحَسَّ الدَّزْبَرِيُّ بِمَا يَجْرِي ، فَأَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ ، وَأَحْضَرَ نَائِبَ الْجَرْجَرَائِيِّ عِنْدَهُ ، وَأَمَرَ بِإِهَانَتِهِ وَضَرْبِهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ يَلْزَمُونَ خِدْمَتَهُ أَرْزَاقَهُمْ ، وَمَنَعَ الْبَاقِينَ ، فَحَرَّكَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ ، وَقَوَّى طَمَعَهُمْ فِيهِ بِمَا كُوتِبُوا بِهِ مِنْ مِصْرَ ، فَأَظْهَرُوا الشَّغَبَ عَلَيْهِ وَقَصَدُوا قَصْرَهُ ، وَهُوَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ ، وَتَبِعَهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ ، فَاقْتَتَلُوا ، فَعَلِمَ الدَّزْبَرِيُّ ضَعْفَهُ وَعَجْزَهُ عَنْهُمْ ، فَفَارَقَ مَكَانَهُ ، وَاسْتَصْحَبَ أَرْبَعِينَ غُلَامًا لَهُ وَمَا أَمْكَنَهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْوَالِ ، وَنَهَبَ الْبَاقِي ، وَسَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ فَمَنَعَهُ مُسْتَحْفِظُهَا ، وَأَخَذَ مَا أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ الدَّزْبَرِيِّ ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُنْدِ يَقْفُونَ أَثَرَهُ ، وَيَنْهَبُونَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ . وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ حَمَاةَ فَمُنِعَ عَنْهَا وَقُوتِلَ ، وَكَاتَبَ الْمُقَلَّدَ بْنَ مُنْقِذٍ الْكِنَانِيَّ الْكَفَرْطَابِيَّ وَاسْتَدْعَاهُ ، فَأَجَابَهُ وَحَضَرَ عِنْدَهُ فِي نَحْوِ أَلْفَيْ رَجُلٍ مَنْ كَفَرْطَابَ وَغَيْرِهَا ، فَاحْتَمَى بِهِ ، وَسَارَ إِلَى حَلَبَ وَدَخَلَهَا ، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً ، وَتُوُفِّيَ فِي مُنْتَصَفِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ فَسَدَ أَمْرُ بِلَادِ الشَّامِ ، وَانْتَشَرَتِ الْأُمُورُ بِهَا ، وَزَالَ النِّظَامُ ، وَطَمِعَتِ الْعَرَبُ ، وَخَرَجُوا فِي نَوَاحِيهِ ، فَخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ الْمُفَرِّجِ الطَّائِيُّ بِفِلَسْطِينَ ، وَخَرَجَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ صَالِحٍ الْكِلَابِيُّ بِحَلَبَ ، وَقَصَدَهَا وَحَصَرَهَا ، وَمَلَكَ الْمَدِينَةَ ، وَامْتَنَعَ أَصْحَابُ الدَّزْبَرِيِّ بِالْقَلْعَةِ ، وَكَتَبُوا إِلَى مِصْرَ يَطْلُبُونَ النَّجْدَةَ ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ، وَاشْتَغَلَ عَسَاكِرُ دِمَشْقَ وَمُقَدَّمُهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ دِمَشْقَ بَعْدَ الدَّزْبَرِيِّ بِحَرْبِ حَسَّانَ ، وَوَقَعَ الْمَوْتُ فِي الَّذِينَ فِي الْقَلْعَةِ ، فَسَلَّمُوهَا إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بِالْأَمَان‏ِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية