الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَتِهِ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُعْتَصِمَ فَأَسْهَبَ فِي ذِكْرِهِ ، وَأَكْثَرَ فِي وَصْفِهِ ، وَذَكَرَ مِنْ طِيبِ أَعْرَاقِهِ ، وَسِعَةِ أَخْلَاقِهِ ، وَكَرِيمِ عِشْرَتِهِ ، قَالَ : وَقَالَ يَوْمًا ، وَنَحْنُ بِعَمُّورِيَّةَ : مَا تَقُولُ فِي الْبُسْرِ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، نَحْنُ بِبِلَادِ الرُّومِ ، وَالْبُسْرُ بِالْعِرَاقِ ، فَقَالَ : قَدْ جَاؤُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَغْدَادَ ، وَعَلِمْتُ أَنَّكَ تَشْتَهِيهِ ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ ، فَمَدَّ يَدَهُ ، فَأَخَذَ الْعِذْقَ فَارِغًا ، قَالَ : وَكُنْتُ أُزَامِلُهُ كَثِيرًا فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ . ذِكْرُ بَاقِيَ الْخَبَرِ قَالَ : وَأَخَذْتُ لِأَهْلِ الشَّاشِ مِنْهُ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ; لِعَمَلِ نَهْرٍ كَانَ لَهُمُ انْدَفَنَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، فَأَضَرَّ بِهِمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي إِذَا غَضِبَ مَنْ قَتَلَ ، وَمَا فَعَلَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ لَذَّةٌ فِي تَزْيِينِ الْبِنَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّفَقَةِ أَسْمَحَ مِنْهُ بِهَا فِي الْحَرْبِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْخٍ : قَدِمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ الْعِرَاقَ هَارِبًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنَالُ مِنْهُمْ ، فَتَهَدَّدُوهُ ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ ، وَقَدِمَ عَلَى عَمِّهِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَشَكَا إِلَيْهِ حَالَهُ ، وَخَوَّفَهُ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ ، وَسَأَلَهُ إِنْهَاءَ حَالِهِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا أَرَادَ ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ حَالَهُ وَلَامَهُ . قَالَ أَحْمَدُ : فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيَّ وَسَأَلَنِي مُخَاطَبَةَ عَمِّهِ فِي أَمْرِهِ ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ إِعْرَاضَهُ عَنْهُ ، فَقَالَ لِي : إِنَّ الزُّبَيْرَ فِيهِ جَهْلٌ وَتَسَرُّعٌ ، فَأَشِرْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْطِفَ الْعَلَوِيِّينَ ، وَيُزِيلَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْهُ ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَأْمُونَ وَرِفْقَهُ بِهِمْ ، وَعَفْوَهُ عَنْهُمْ ، وَمَيْلَهُ إِلَيْهِمْ ؟ قُلْتُ : بَلَى ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاللَّهِ ، عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، أَوْ فَوْقَهُ ، وَلَا أَقْدِرُ أَذْكُرُهُمْ عِنْدَهُ بِقَبِيحٍ ، فَقُلْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَ عَنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ذَمِّهِمْ . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُصْعَبِيُّ : دَعَانِي الْمُعْتَصِمُ يَوْمًا ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَحْبَبْتُ أَنْ أَضْرِبَ مَعَكَ بِالصَّوَالِجَةِ ، فَلَعِبْنَا بِهَا سَاعَةً ، ثُمَّ نَزَلَ وَأَخَذَ بِيَدِي نَمْشِي إِلَى أَنْ صَارَ إِلَى حُجْرَةِ الْحَمَّامِ ، فَقَالَ : خُذْ ثِيَابِي ، فَأَخَذْتُهَا ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِنَزْعِ ثِيَابِي ، فَفَعَلْتُ ، وَدَخَلْتُ ، وَلَيْسَ مَعَنَا غُلَامٌ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَخَدَمْتُهُ ، وَدَلَّكْتُهُ ، وَتَوَلَّى الْمُعْتَصِمُ مِنِّي ذَلِكَ ، فَاسْتَعْفَيْتُهُ ، فَأَبَى عَلَيَّ ، ثُمَّ خَرَجْنَا ، وَمَشَى وَأَنَا مَعَهُ ، حَتَّى صَارَ إِلَى مَجْلِسِهِ ، فَنَامَ ، وَأَمَرَنِي فَنِمْتُ حِذَاءَهُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا إِسْحَاقُ إِنَّ فِي قَلْبِي أَمْرًا أَنَا مُفَكِّرٌ فِيهِ مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِأُفْشِيَهُ إِلَيْكَ ، فَقُلْتُ : قُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ . قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى أَخِي الْمَأْمُونِ وَقَدِ اصْطَنَعَ أَرْبَعَةً ، فَلَمْ يُفْلِحْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، قُلْتُ : وَمَنِ الَّذِينَ اصْطَنَعَهُمُ الْمَأْمُونُ ؟ قَالَ : طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، فَقَدْ رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ ، فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُرَ مِثْلُهُ ، وَأَنْتَ فَأَنْتَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَعْتَاضُ السُّلْطَانُ عَنْكَ أَبَدًا ، وَأَخُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَيْنَ مِثْلُ مُحَمَّدٍ ؟ وَأَنَا فَاصْطَنَعْتُ الْأَفْشِينَ ، فَقَدْ رَأَيْتَ إِلَى مَا صَارَ أَمْرُهُ ، وَأَشْنَاسَ فَفَشِلَ ، وَإِيتَاخَ فَلَا شَيْءَ ، وَوَصِيفًا فَلَا مَعْنَى فِيهِ . فَقُلْتُ : أُجِيبُ عَلَى أَمَانٍ مِنْ غَضَبِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! قُلْتُ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، نَظَرَ أَخُوكَ إِلَى الْأُصُولِ فَاسْتَعْمَلَهَا ، فَأَنْجَبْتَ ، وَاسْتَعْمَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فُرُوعًا ، فَلَمْ تُنْجِبْ إِذْ لَا أُصُولَ لَهَا ! فَقَالَ : يَا إِسْحَاقُ ، لَمُقَاسَاةُ مَا مَرَّ بِي طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ : تَصَدَّقَ الْمُعْتَصِمُ ، وَوَهَبَ عَلَى يَدَيَّ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمِ . وَحُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي يَوْمِ مَطَرٍ ، فَبَيْنَا هُوَ يُسَيِّرُ رَحْلَهُ إِذْ رَأَى شَيْخًا مَعَهُ حِمَارٌ عَلَيْهِ حِمْلُ شَوْكٍ ، وَقَدْ زَلِقَ الْحِمَارُ ، وَسَقَطَ ، وَالشَّيْخُ قَائِمٌ يَنْتَظِرُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ فَيُعِينُهُ عَلَى حَمْلِهِ ، فَسَأَلَهُ الْمُعْتَصِمُ عَنْ حَالِهِ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ; لِيُخَلِّصَ الْحِمَارَ عَنِ الْوَحْلِ ، وَيَرْفَعَ عَلَيْهِ حِمْلَهُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُبَلِّلْ ثِيَابَكَ وَطِيبَكَ ! فَقَالَ : لَا عَلَيْكَ ، ثُمَّ إِنَّهُ خَلَّصَ الْحِمَارَ ، وَجَعَلَ الشَّوْكَ عَلَيْهِ ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ رَكِبَ ، فَقَالَ الشَّيْخُ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا شَابُّ ! ثُمَّ لَحِقَهُ أَصْحَابُهُ ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَسِيرُ مَعَهُ إِلَى بَيْتِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية