الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ : وَامُعْتَصِمَاهُ ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ : لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ : النَّفِيرَ النَّفِيرَ ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا ، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ ، فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ ، وَأَحْضَرَ قَاضِيَ بَغْدَادَ ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَشُعْبَةُ بْنُ سَهْلٍ ، وَمَعَهُمَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ ، فَأَشْهَدَهُمْ عَلَى مَا وَقَفَ مِنَ الضِّيَاعِ ، فَجَعَلَ ثُلُثًا لِوَلَدِهِ ، وَثُلُثًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَثُلُثًا لِمَوَالِيهِ . ثُمَّ سَارَ فَعَسْكَرَ بِغَرْبِيِّ دِجْلَةَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى ، وَوَجَّهَ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ ، وَعُمَرَ الْفَرْغَانِيَّ ، وَمُحَمَّدَ كُوتَاهْ ، وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى زِبَطْرَةَ مَعُونَةً لِأَهْلِهَا ، فَوَجَدُوا مَلِكَ الرُّومِ قَدِ انْصَرَفَ عَنْهَا إِلَى بِلَادِهِ ، بَعْدَمَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَوَقَفُوا حَتَّى تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى قُرَاهُمْ ( وَاطْمَأَنُّوا . فَلَمَّا ظَفِرَ الْمُعْتَصِمُ بِبَابَكَ قَالَ : أَيُّ بِلَادِ الرُّومِ أَمْنَعُ وَأَحْصَنُ ؟ فَقِيلَ : عَمُّورِيَّةَ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ ، وَهِيَ عَيْنُ النَّصْرَانِيَّةِ ، وَهِيَ أَشْرَفُ عِنْدَهُمْ ) مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ . فَسَارَ الْمُعْتَصِمُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى . وَقِيلَ كَانَ مَسِيرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ . وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ . وَتَجَهَّزَ جِهَازًا لَمْ يَتَجَهَّزْهُ خَلِيفَةٌ قَبْلَهُ قَطُّ مِنَ السِّلَاحِ ، وَالْعَدَدِ ، وَالْآلَةِ ، وَحِيَاضِ الْأَدَمِ ، وَالرَّوَايَا ، وَالْقِرَبِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ أَشْنَاسَ ، وَيَتْلُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ إِيتَاخَ ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ جَعْفَرَ بْنَ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطَ ، وَعَلَى الْقَلْبِ عُجَيْفَ بْنَ عَنْبَسَةَ ، فَلَمَّا دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ السِّنِّ ، وَهُوَ عَلَى سَلُوقِيَّةَ ، قَرِيبًا مِنَ الْبَحْرِ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَسُوسَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْفِدَاءُ . وَأَمْضَى الْمُعْتَصِمُ الْأَفْشِينَ إِلَى سَرُوجَ ، وَأَمَرَهُ بِالدُّخُولِ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ ، وَسَمَّى لَهُ يَوْمًا يَكُونُ دُخُولُهُ فِيهِ ، وَيَوْمًا يَكُونُ اجْتِمَاعُهُمْ فِيهِ ، وَسَيَّرَ أَشْنَاسَ مِنْ دَرْبِ طَرَسُوسَ ، وَأَمَرَهُ بِانْتِظَارِهِ بِالصَّفْصَافِ ، فَكَانَ مَسِيرُ أَشْنَاسَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ ، وَقَدَّمَ الْمُعْتَصِمُ وَصِيفًا فِي أَثَرِ أَشْنَاسَ ، ( وَرَحَلَ الْمُعْتَصِمُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ . فَلَمَّا صَارَ " أَشْنَاسُ " ) بِمَرْجِ أَسْقُفَّ ، وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ ، ( مِنَ الْمَطَامِيرِ يُعْلِمُهُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ [ أَنْ ] يَكْسِبَهُمْ ، وَيَأْمُرُ بِالْمَقَامِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ الْمُعْتَصِمِ ) يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَجِّهَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ [ فِي ] سَرِيَّةٍ يَلْتَمِسُونَ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ خَبَرِ الْمَلِكِ ، فَوَجَّهَ أَشْنَاسُ عُمَرَ الْفَرْغَانِيَّ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ ، فَدَخَلَ حَتَّى بَلَغَ أَنْقَرَةَ ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي طَلَبِ رَجُلٍ رُومِيٍّ ، فَأَتَوْهُ بِجَمَاعَةٍ بَعْضُهُمْ مِنْ ( عَسْكَرِ الْمَلِكِ ، وَبَعْضُهُمْ مِنَ ) السَّوَادِ ، فَأَحْضَرَهُمْ عِنْدَ أَشْنَاسَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْخَبَرِ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْمَلِكَ مُقِيمٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَنْتَظِرُ مُقَدَّمَةَ الْمُعْتَصِمِ لِيُوَاقِعَهُمْ فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ عَسْكَرًا عَظِيمًا قَدْ دَخَلَ بِلَادَهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَرْمَنْيَاقِ ، يَعْنِي عَسْكَرَ الْأَفْشِينِ ، قَالُوا : فَلَمَّا أُخْبِرَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ خَالِهِ عَلَى عَسْكَرِهِ ، وَسَارَ يُرِيدُ نَاحِيَةَ الْأَفْشِينِ ، فَوَجَّهَ أَشْنَاسُ بِهِمْ إِلَى الْمُعْتَصِمِ ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، فَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ كِتَابًا إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُقِيمَ مَكَانَهُ ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ كِتَابَهُ ، وَضَمِنَ لِمَنْ يُوصِّلُ كِتَابَهُ إِلَى الْأَفْشِينِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . فَسَارَتِ الرُّسُلُ بِالْكِتَابِ إِلَى الْأَفْشِينِ ، فَلَمْ يَرَوْهُ لِأَنَّهُ أَوْغَلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَكَتَبَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى أَشْنَاسَ يَأْمُرُهُ بِالتَّقَدُّمِ ، فَتَقَدَّمَ وَالْمُعْتَصِمُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَلَمَّا رَحَلَ أَشْنَاسُ نَزَلَ الْمُعْتَصِمُ مَكَانَهُ ، حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْقَرَةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ ، فَضَاقَ عَسْكَرُ الْمُعْتَصِمِ ضِيقًا شَدِيدًا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلَفِ . وَكَانَ أَشْنَاسُ قَدْ أَسَرَ فِي طَرِيقِهِ عِدَّةَ أَسْرَى ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَقَالَ لَهُ : مَا تَنْتَفِعُ بِقَتْلِي ، وَأَنْتَ وَعَسْكَرُكَ فِي ضِيقٍ ، وَهَاهُنَا قَوْمٌ قَدْ هَرَبُوا مِنْ أَنْقَرَةَ خَوْفًا مِنْكُمْ ، وَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنَّا ، مَعَهُمُ الطَّعَامُ وَالشَّعِيرُ وَغَيْرُهُمَا ، فَوَجِّهْ مَعِي قَوْمًا لِأُسَلِّمَهُمْ إِلَيْهِمْ ، وَخَلِّ سَبِيلِي ! فَسَيَّرَ مَعَهُ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ ، وَدَفَعَ الشَّيْخَ إِلَى مَالِكِ بْنِ كَيْدَرَ ، وَقَالَ لَهُ : مَتَى أَرَاكَ هَذَا الشَّيْخُ سَبْيًا كَثِيرًا ، أَوْ غَنِيمَةً كَبِيرَةً ، فَخَلِّ سَبِيلَهُ . فَسَارَ بِهِمُ الشَّيْخُ ، فَأَوْرَدَهُمْ عَلَى وَادٍ وَحَشِيشٍ ، فَأَمْرَجُوا دَوَابَّهُمْ ، وَشَرِبُوا وَأَكَلُوا ، وَسَارُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْغَيْضَةِ ، وَسَارَ بِهِمُ الشَّيْخُ حَتَّى أَتَى جَبَلًا ، فَنَزَلَهُ لَيْلًا ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ الشَّيْخُ : وَجِّهُوا رَجُلَيْنِ يَصْعَدَانِ هَذَا الْجَبَلَ ، فَيَنْظُرَا مَا فَوْقَ ، فَيَأْخُذَانِ مَنْ أَدْرَكَا ! فَصَعِدَ أَرْبَعَةٌ ، فَأَخَذُوا رَجُلًا وَامْرَأَةً ، فَسَأَلَهُمَا الشَّيْخُ عَنْ أَهْلِ أَنْقَرَةَ ، فَدَلَّاهُ عَلَيْهِمْ ، فَسَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ أَنْقَرَةَ ، وَهُمْ فِي طَرَفِ مَلَّاحَةٍ ، فَلَمَّا رَأَوُا الْعَسْكَرَ أَدْخَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ الْمَلَّاحَةَ ، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى طَرَفِهَا ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَأَخَذُوا مِنَ الرُّومِ عِدَّةَ أَسْرَى ، وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِ جِرَاحَاتٌ عُتْقٌ ( مُتَقَدِّمَةٌ ) فَسَأَلُوهُمْ عَنْ تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ ، فَقَالُوا : كُنَّا فِي وَقْعَةِ الْمَلِكِ مَعَالْأَفْشِينِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا كَانَ مُعَسْكِرًا أَتَاهُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ الْأَفْشِينِ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ نَاحِيَةَ الْأَرْمِنْيَاقِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ بَعْضَ أَقْرِبَائِهِ ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ ، فَوَاقَعْنَاهُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ ، فَهَزَمْنَاهُمْ ، وَقَتَلْنَا رَجَّالَتَهُمْ كُلَّهُمْ ، وَتَقَطَّعَتْ عَسَاكِرُنَا فِي طَلَبِهِمْ ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ رَجَعَ فُرْسَانُهُمْ ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى خَرَقُوا عَسْكَرَنَا ، وَاخْتَلَطُوا بِنَا ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْمَلِكُ ، وَانْهَزَمْنَا مِنْهُمْ ، وَرَجَعْنَا إِلَى مُعَسْكَرِ الْمَلِكِ الَّذِي خَلْفَهُ ، فَوَجَدْنَا الْعَسْكَرَ قَدِ انْتَقَضَ ، وَانْصَرَفُوا عَنْ قَرَابَةِ الْمَلِكِ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَ الْمَلِكُ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ ، فَرَأَى عَسْكَرَهُ قَدِ اخْتَلَّ ، وَأَخَذَ الَّذِي كَانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُدُنِ وَالْحُصُونِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا أَحَدًا انْصَرَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَّا ضَرَبُوهُ بِالسِّيَاطِ ، وَرَدُّوهُ إِلَى مَكَانٍ سَمَّاهُ لَهُمُ الْمَلِكُ ، لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، وَيَلْقَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْمَلِكَ وَجَّهَ خَصِيًّا لَهُ إِلَى أَنْقَرَةَ ; لِيَحْفَظَ أَهْلَهَا ، فَرَآهُمْ قَدْ أُجْلُوا عَنْهَا ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بِذَلِكَ ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَمُّورِيَّةَ ، فَرَجَعَ مَالِكُ بْنُ كَيْدَرَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْأَسْرَى إِلَى عَسْكَرِ أَشْنَاسَ ، وَغَنِمُوا فِي طَرِيقِهِمْ ، بَقَرًا ، وَغَنَمًا كَثِيرًا ، فَلَمَّا بَلَغَ مَالِكُ بْنُ كَيْدَرَ عَسْكَرَ أَشْنَاسَ أَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ ، فَأَعْلَمَ الْمُعْتَصِمَ بِذَلِكَ ، فَسُرَّ بِهِ . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَفْشِينِ بِخَبَرِ السَّلَامَةِ ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَدِمَ الْأَفْشِينُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ وَهُوَ بِأَنْقَرَةَ ، فَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . ثُمَّ جَعَلَ الْمُعْتَصِمُ الْعَسْكَرَ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ : عَسْكَرٌ فِيهِ أَشْنَاسُ فِي الْمَيْسَرَةِ ، وَالْمُعْتَصِمُ فِي الْقَلْبِ ، وَعَسْكَرُ الْأَفْشِينِ فِي الْمَيْمَنَةِ ، وَبَيْنَ كُلِّ عَسْكَرٍ وَعَسْكَرٍ فَرْسَخَانِ ، وَأَمَرَ كُلَّ عَسْكَرٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْرِقُوا الْقُرَى ، وَيُخَرِّبُوهَا ، وَيَأْخُذُوا مَنْ لَحِقُوا فِيهَا ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى صَاحِبِهَا ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَا بَيْنَ أَنْقَرَةَ وَعَمُّورِيَّةَ ، وَبَيْنَهُمَا سَبْعُ مَرَاحِلَ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى وَافَوْا عَمُّورِيَّةَ . وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَرَدَهَا أَشْنَاسُ ، ثُمَّ الْمُعْتَصِمُ ، ثُمَّ الْأَفْشِينُ ، فَدَارُوا حَوْلَهَا ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْقُوَّادِ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبْرَاجًا مِنْهَا عَلَى قَدْرِ أَصْحَابِهِ . وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَسَرَهُ الرُّومُ بِعَمُّورِيَّةَ ، فَتَنَصَّرَ ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ ، فَأَخْبَرَ الْمُعْتَصِمَ أَنَّ مَوْضِعًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَعَ سُورُهُ مِنْ سَيْلٍ أَتَاهُ ، فَكَتَبَ الْمَلِكُ إِلَى عَامِلِ عَمُّورِيَّةَ لِيُعَمِّرَهُ ، فَتَوَانَى ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمَلِكُ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خَافَ الْعَامِلُ أَنْ يَرَى السُّورَ خَرَابًا ، فَبَنَى وَجْهَهُ حَجَرًا حَجَرًا ، وَعَمِلَ الشُّرَفَ عَلَى ( جِسْرٍ ) خَشَبٍ ، فَرَأَى الْمُعْتَصِمُ ذَلِكَ الْمَكَانَ ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ خَيْمَتِهِ هُنَاكَ ، وَنَصْبِ الْمَجَانِيقِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، فَانْفَرَجَ السُّورُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ جَعَلُوا عَلَيْهِ خَشَبًا كِبَارًا كُلُّ عُودٍ يَلْزَقُ الْآخَرَ ، وَكَانَ الْمَنْجَنِيقُ يَكْسِرُ الْخَشَبَ ، فَجَعَلُوا عَلَيْهِ بَرَاذِعَ ، فَلَمَّا أَلَحَّتِ الْمَجَانِيقُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَصَدَّعَ السُّورُ ، وَكَتَبَ الْخَصِيُّ ، وَبِطْرِيقُ عَمُّورِيَّةَ - وَاسْمُهُ نَاطِسُ - كِتَابًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ أَمْرَ السُّورِ ، وَسَيَّرَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ ، فَأَخَذَهُمَا الْمُسْلِمُونَ ، وَسَأَلَهُمَا الْمُعْتَصِمُ ، وَفَتَّشَهُمَا ، فَرَأَى الْكِتَابَ ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَسْكَرَ قَدْ أَحَاطَ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ كَانَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا خَطَأً ، وَأَنَّ نَاطِسَ عَازِمٌ عَلَى أَنْ يَرْكَبَ فِي خَاصَّتِهِ لَيْلًا ، وَيَحْمِلَ عَلَى الْعَسْكَرِ كَائِنًا مَا كَانَ ، حَتَّى يَخْلُصَ وَيَسِيرَ إِلَى الْمَلِكِ ، فَلَمَّا قَرَأَ الْمُعْتَصِمُ الْكِتَابَ أَمَرَ لَهُمَا بِبَدْرَةٍ ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَخِلَعٍ ، فَأَسْلَمَا ، فَأَمَرَ بِهِمَا ، فَطَافَا حَوْلَ عَمُّورِيَّةَ ، وَأَنْ يَقِفَا مُقَابِلَ الْبُرْجِ الَّذِي فِيهِ نَاطِسُ ، ( فَوَقَفَا وَعَلَيْهِمَا الْخِلَعُ ، وَالْأَمْوَالُ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا ، فَعَرَفَهُمَا نَاطِسُ ) وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرُّومِ ، فَشَتَمُوهُمَا . وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْحِرَاسَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْهَدَمَ السُّورُ مَا بَيْنَ بُرْجَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَكَانَ الْمُعْتَصِمُ أَمَرَ أَنْ يُطَمَّ خَنْدَقُ عَمُّورِيَّةَ بِجُلُودِ الْغَنَمِ الْمَمْلُوءَةِ تُرَابًا ، فَطَمُّوهُ ، وَعَمِلَ دَبَّابَاتٍ كِبَارًا تَسَعُ كُلُّ دَبَّابَةٍ عَشَرَةَ رِجَالٍ لِيُدَحْرِجُوهَا عَلَى الْجُلُودِ إِلَى السُّورِ ، فَدَحْرَجُوا وَاحِدَةً مِنْهَا ، فَلَمَّا صَارَتْ فِي نِصْفِ الْخَنْدَقِ تَعَلَّقَتْ بِتِلْكَ الْجُلُودِ ، فَمَا تَخَلَّصَ مَنْ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ شِدَّةٍ وَجَهْدٍ ، وَعَمِلَ سَلَالِيمَ وَمَنْجَنِيقَاتٍ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ انْهَدَمَ السُّورُ قَاتَلَهُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْحَرْبِ أَشْنَاسَ وَأَصْحَابَهُ ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ ضَيِّقًا ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْحَرْبُ فِيهِ ، فَأَمَدَّهُمُ الْمُعْتَصِمُ بِالْمَنْجَنِيقَاتِ الَّتِي حَوْلَ السُّورِ ، فَجَمَعَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ حَوْلَ الثُّلْمَةِ وَأَمَرَ أَنْ يُرْمَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ . وَكَانَتِ الْحَرْبُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيَ عَشَرَ عَلَى الْأَفْشِينِ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَجَادُوا الْحَرْبَ ، وَتَقَدَّمُوا ، وَالْمُعْتَصِمُ عَلَى دَابَّتِهِ بِإِزَاءِ الثُّلْمَةِ ، وَأَشْنَاسُ وَالْأَفْشِينُ وَخَوَاصُّ الْقُوَّادِ مَعَهُ ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ : مَا أَحْسَنَ مَا كَانَ الْحَرْبُ الْيَوْمَ ! وَقَالَ عُمَرُ الْفَرْغَانِيُّ : الْحَرْبُ الْيَوْمَ أَجْوَدُ مِنْهَا الْأَمْسَ ، فَأَمْسَكَ أَشْنَاسُ . فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ ، وَانْصَرَفَ الْمُعْتَصِمُ وَالنَّاسُ ، وَقَرُبَ أَشْنَاسُ مِنْ مِضْرَبِهِ ، تَرَجَّلَ لَهُ الْقُوَّادُ ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، وَفِيهِمُ الْفَرْغَانِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ هِشَامٍ ، فَقَالَ لَهُمْ أَشْنَاسُ : يَا أَوْلَادَ الزِّنَا ! إِيشِ تَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيَّ ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقَاتِلُوا أَمْسِ ؛ حَيْثُ تَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَتَقُولُونَ الْحَرْبُ الْيَوْمَ أَجْوَدُ مِنْهَا أَمْسِ ، كَانَ يُقَاتِلُ أَمْسِ غَيْرُكُمْ ، انْصَرِفُوا إِلَى مَضَارِبِكُمْ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الْفَرْغَانِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ ، قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْعَبْدِ ابْنِ الْفَاعِلَةِ ، يَعْنِي أَشْنَاسَ ، مَا صَنَعَ الْيَوْمَ ؟ أَلَيْسَ الدُّخُولُ إِلَى الرُّومِ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا ؟ فَقَالَ الْفَرْغَانِيُّ لِأَحْمَدَ ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمَأْمُونِ : سَيَكْفِيكَ اللَّهُ أَمْرَهُ عَنْ قَرِيبٍ ، فَأَلَحَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبَّاسَ فَيَكُونَ فِي أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا أَمْرٌ أَظُنُّهُ لَا يَتِمُّ ، قَالَ الْفَرْغَانِيُّ : قَدْ تَمَّ ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحَارِثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ فَأَتَاهُ ، فَرَفَعَ الْحَارِثُ خَبَرَهُ إِلَى الْعَبَّاسِ ، فَكَرِهَ الْعَبَّاسُ أَنْ يَعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ كَانَتِ الْحَرْبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمُعْتَصِمِ ، وَمَعَهُمُ الْمَغَارِبَةُ وَالْأَتْرَاكُ ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ إِيتَاخَ ، فَقَاتَلُوا ، وَأَحْسَنُوا ، وَاتَّسَعَ لَهُمْ هَدْمُ السُّورِ ، فَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ كَذَلِكَ حَتَّى كَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الرُّومِ . وَكَانَ بَطَارِقَةُ الرُّومِ قَدِ اقْتَسَمُوا أَبْرَاجَ السُّورِ ، وَكَانَ الْبِطْرِيقُ الْمُوَكَّلُ بِهَذِهِ النَّاحِيَةِ " وَنْدُوا " وَتَفْسِيرُهُ : ثَوْرٌ ، فَقَاتَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا ، وَفِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ يَمُدُّهُ نَاطِسُ ، وَلَا غَيْرُهُ بِأَحَدٍ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ مَشَى " وَنْدُوا " إِلَى الرُّومِ فَقَالَ : إِنَّ الْحَرْبَ عَلَيَّ وَعَلَى أَصْحَابِي ، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي أَحَدٌ إِلَّا جُرِحَ ، فَصَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ يَرْمُونَ قَلِيلًا ، وَإِلَّا ذَهَبَتِ الْمَدِينَةُ ، فَلَمْ يَمُدُّوهُ بِأَحَدٍ ، وَقَالُوا : لَا نَمُدُّكَ وَلَا تَمُدُّنَا ، فَعَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمُعْتَصِمِ يَسْأَلُونَهُ الْأَمَانَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ ، وَيُسَلِّمُونَ إِلَيْهِ الْحِصْنَ بِمَا فِيهِ . فَلَمَّا أَصْبَحَ وَكَّلَ أَصْحَابَهُ بِجَانِبَيِ الثُّلْمَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُحَارِبُوا ، وَقَالَ : أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَصَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالنَّاسُ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى الثُّلْمَةِ ، وَقَدْ أَمْسَكَ الرُّومُ عَنِ الْقِتَالِ ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى السُّورِ ، وَالرُّومُ يَقُولُونَ : لَا تَخْشَوْا ، وَهُمْ يَتَقَدَّمُونَ ، وَ " وَنْدُوا " جَالِسٌ عِنْدَ الْمُعْتَصِمِ ، فَأَرْكَبَهُ فَرَسًا ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ حَتَّى صَارُوا فِي الثُّلْمَةِ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ يُومِئُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِالدُّخُولِ ، فَدَخَلَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ ، فَالْتَفَتَ " وَنْدُوا " وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : جِئْتُ أَسْمَعُ كَلَامَكَ ، فَغَدَرْتَ بِي ، قَالَ الْمُعْتَصِمُ : كُلُّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَهُوَ لَكَ ، وَلَسْتُ أُخَالِفُكَ ، قَالَ : إِيشِ تُخَالِفُنِي ، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ . وَصَارَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الرُّومِ إِلَى كَنِيسَةٍ كَبِيرَةٍ لَهُمْ ، فَأَحْرَقَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ ، فَهَلَكُوا كُلُّهُمْ ، وَكَانَ نَاطِسُ فِي بُرْجِهِ ، حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ ، وَوَقَفَ مُقَابِلَ نَاطِسَ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا نَاطِسُ ! هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَظَهَرَ مِنَ الْبُرْجِ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ ، فَنَحَّاهُ عَنْهُ ، وَنَزَلَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَضَرَبَهُ سَوْطًا ، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ إِلَى مَضْرِبِهِ ، وَقَالَ : هَاتُوه ! فَمَشَى قَلِيلًا ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِحَمْلِهِ ، وَأَخَذَ السَّيْفَ الرُّومُ ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ بِالْأَسْرَى وَالسَّبْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ أَنْ يُعْزَلَ مِنْهُمْ أَهْلُ الشَّرَفِ ، وَنَقَلَ مَنْ سِوَاهُمْ ، وَأَمَرَ بِبَيْعِ الْمَغَانِمِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ، فَبِيعَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ ، وَأَمَرَ بِالْبَاقِي فَأُحْرِقَ . وَكَانَ لَا يُنَادِي عَلَى شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْوَاتٍ ، ثُمَّ يُوجِبُ بَيْعَهُ ، طَلَبًا لِلسُّرْعَةِ ، وَكَانَ يُنَادِي عَلَى الرَّقِيقِ خَمْسَةً خَمْسَةً [ وَ ] عَشَرَةً عَشَرَةً ، طَلَبًا لِلسُّرْعَةِ . وَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بَيْعُ الْمَغَانِمِ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عُجَيْفٌ وَعَدَ النَّاسَ أَنْ يَثُورَ فِيهِ بِالْمُعْتَصِمِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ ، وَثَبَ النَّاسُ عَلَى الْمَغَانِمِ ، فَرَكِبَ الْمُعْتَصِمُ ، وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ ، وَسَارَ رَكْضًا نَحْوَهُمْ ، فَتَنَحَّوْا عَنْهَا ، وَكَفُّوا عَنِ النَّهْبِ ، فَرَجَعَ إِلَى مَضْرِبِهِ ، وَأَمَرَ بِعَمُّورِيَّةَ فَهُدِمَتْ وَأُحْرِقَتْ ، وَكَانَ نُزُولُهُ عَلَيْهَا لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا ، وَفَرَّقَ الْأَسْرَى عَلَى الْقُوَّادِ ، وَسَارَ نَحْوَ طَرَسُوسَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية