الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ وَفَاةِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، تُوُفِّيَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الذَّخِيرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُوَفَّقُ خَلِيفَةً ، وَإِنَّمَا كَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَخِيهِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ ، فَمَاتَ قَبْلَ الْمُعْتَمِدِ ، فَصَارَ وَلَدُهُ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ . وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ أَبِي إِسْحَاقَ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى نُورًا وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُودًا . فَكَانَ فِي آبَائِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً ، وَهُمْ كُلُّ مَنْ لَهُ لَقَبٌ ، وَالْبَاقُونَ غَيْرُ خُلَفَاءَ ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ وَلِيَ الْعَهْدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَائِمِ ، وَالْمُوَفَّقُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، وَأَمَّا بَاقِي الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ آبَائِهِ ، فَكَانَ السَّفَّاحُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ أَخَا الْمَنْصُورِ وَلِيَ قَبْلَهُ ، وَكَانَ مُوسَى الْهَادِي أَخَا الرَّشِيدِ وَلِيَ قَبْلَهُ ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ ابْنَا الرَّشِيدِ أَخَوَيِ الْمُعْتَصِمِ وَلِيَا قَبْلَهُ ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ الْمُنْتَصِرُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَلِيَ بَعْدَهُ . ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ الْمُنْتَصِرِ بِاللَّهِ الْمُسْتَعِينُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُسْتَعِينِ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ مُحَمَّدٌ ، وَقِيلَ طَلْحَةُ ، وَهُوَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُعْتَزِّ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَاثِقِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، فَالْمُنْتَصِرُ وَالْمُعْتَزُّ وَالْمُعْتَمِدُ إِخْوَةُ الْمُوَفَّقِ ، وَالْمُهْتَدِي ابْنُ عَمِّهِ ، وَالْمُوَفَّقُ مِنْ أَجْدَادِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ . ثُمَّ وَلِيَ الْمُعْتَضِدُ بَعْدَ الْمُعْتَمِدِ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُعْتَضِدِ ابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ ، وَهُوَ أَخُو الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَخُوهُ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْقَاهِرِ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ . ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُقَتَدِرِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ [ بْنُ ] الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعْتَضِدِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ ، فَالْقَاهِرُ وَالرَّاضِي وَالْمُتَّقِي وَالْمُطِيعُ بَنُوهُ ، وَالْمُسْتَكْفِي ابْنُ أَخِيهِ الْمُكْتَفِي . [ ثُمَّ وَلِيَ ] الطَّائِعُ لِلَّهِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ الطَّائِعِ الْقَادِرُ بِاللَّهِ ، [ وَهُوَ ] مِنْ أَجْدَادِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ ، [ ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ ، وَوَلِيَ بَعْدَ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ ] ابْنُهُ الرَّاشِدُ أَبُو جَعْفَرٍ ، فَالْمُسْتَرْشِدُ أَخُو الْمُتَّقِي ، وَالرَّاشِدُ بِاللَّهِ ابْنُ أَخِيهِ ، فَجَمْعُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ مِمَّنْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ نَسَبِ النَّاصِرِ تِسْعَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً . وَكَانَتْ أُمُّ النَّاصِرِ أُمَّ وَلَدٍ ، تُرْكِيَّةً ، اسْمُهَا زُمُرُّدُ ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَكَانَ عُمْرُهُ نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً تَقْرِيبًا ، فَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَطْوَلَ مُدَّةً مِنْهُ إِلَّا مَا قِيلَ عَنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ ، فَإِنَّهُ وَلِي سِتِّينَ سَنَةً ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، فَإِنَّهُ وَلِيَ وَلَهُ سَبْعُ سِنِينَ ، فَلَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ . وَبَقِيَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَاطِلًا عَنِ الْحَرَكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَالْأُخْرَى يُبْصِرُ بِهَا إِبْصَارًا ضَعِيفًا ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ أَصَابَهُ دُوسِنْطَارْيَا عِشْرِينَ يَوْمًا وَمَاتَ . وَوَزَرَ لَهُ عِدَّةُ وُزَرَاءَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ، وَلَمْ يُطْلِقْ فِي طُولِ مَرَضِهِ شَيْئًا كَانَ أَحْدَثَهُ مِنَ الرُّسُومِ الْجَائِرَةِ ، وَكَانَ قَبِيحَ السِّيرَةِ ، فِي رَعِيَّتِهِ ظَالِمًا ، فَخَرَّبَ فِي أَيَّامِهِ الْعِرَاقَ ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهُ فِي الْبِلَادِ ، وَأَخَذَ أَمْلَاكَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَكَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ دُورَ الضِّيَافَةِ بِبَغْدَادَ ; لِيُفْطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ ، فَبَقِيَتْ مُدَّةً ، ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ ، ثُمَّ عَمِلَ دُورَ الضِّيَافَةِ لِلْحُجَّاجِ ، فَبَقِيَتْ مُدَّةً ، ثُمَّ بَطَّلَهَا ، وَأَطْلَقَ بَعْضَ الْمُكُوسِ الَّتِي جَدَّدَهَا بِبَغْدَادَ خَاصَّةً ، ثُمَّ أَعَادَهَا . وَجَعَلَ جُلَّ هَمِّهِ فِي رَمْيِ الْبُنْدُقِ ، وَالطُّيُورِ الْمَنَاسِيبِ ، وَسَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ ، فَبَطَّلَ الْفُتُوَّةَ فِي الْبِلَادِ جَمِيعِهَا ، إِلَّا مَنْ يَلْبَسُ مِنْهُ سَرَاوِيلَ يُدْعَى إِلَيْهِ ، وَلَبِسَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُلُوكِ مِنْهُ سَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنَعَ الطُّيُورَ الْمَنَاسِيبَ لِغَيْرِهِ إِلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ طُيُورِهِ ، وَمَنَعَ الرَّمْيَ بِالْبُنْدُقِ إِلَّا مَنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ ، فَأَجَابَهُ النَّاسُ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا إِنْسَانًا وَاحِدًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ السَّفِتِ مِنْ بَغْدَادَ ، فَإِنَّهُ هَرَبَ مِنَ الْعِرَاقِ وَلَحِقَ بِالشَّامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُرَغِّبُهُ فِي الْمَالِ الْجَزِيلِ لِيَرْمِيَ عَنْهُ ، وَيُنْسَبَ فِي الرَّمْيِ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْدِقَائِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ ، فَقَالَ : يَكْفِينِي فَخْرًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا يَرْمِي لِلْخَلِيفَةِ ، إِلَّا أَنَا . فَكَانَ غَرَامُ الْخَلِيفَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ ، وَكَانَ سَبَبُ مَا يَنْسُبُهُ الْعَجَمُ إِلَيْهِ صَحِيحًا مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَطْمَعَ التَّتَرَ فِي الْبِلَادِ ، وَرَاسَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَهُوَ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى الَّتِي يَصْغُرُ عِنْدَهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَظِيمٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية