الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ حَصْرِ الْفِرِنْجِ دِمْيَاطَ إِلَى أَنْ مَلَكُوهَا لَمَّا عَادَ الْفِرِنْجُ مِنْ حِصَارِ الطُّورِ أَقَامُوا بَعَكَّا إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى دِمْيَاطَ ، فَوَصَلُوا فِي صَفَرٍ ، فَأَرْسَوْا عَلَى بَرِّ الْجِيزَةِ ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِمْيَاطَ النِّيلُ ، فَإِنَّ بَعْضَ النِّيلِ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ عِنْدَ دِمْيَاطَ ، وَقَدْ بُنِيَ فِي النَّيْلِ بُرْجٌ كَبِيرٌ مَنِيعٌ ، وَجَعَلُوا فِيهِ سَلَاسِلَ مِنْ حَدِيدٍ غِلَاظٍ ، وَمَدُّوهَا فِي النَّيْلِ إِلَى سُورِ دِمْيَاطَ لِتَمْنَعَ الْمَرَاكِبَ الْوَاصِلَةَ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ أَنَّ تَصْعَدَ فِي النِّيلِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ ، وَلَوْلَا هَذَا الْبُرْجُ وَهَذِهِ السَّلَاسِلُ لَكَانَتْ مَرَاكِبُ الْعَدُوِّ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى مَنْعِهَا عَنْ أَقَاصِي دِيَارِ مِصْرَ وَأَدَانِيهَا . فَلَمَّا نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى بَرِّ الْجِيزَةِ ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِمْيَاطَ النَّيْلُ ، بَنَوْا عَلَيْهِ سُورًا ، وَجَعَلُوا خَنْدَقًا يَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ يُرِيدُهُمْ ، وَشَرَعُوا فِي قِتَالِ مَنْ بِدِمْيَاطَ ، وَعَمِلُوا آلَاتٍ ، وَمَرَمَّاتٍ ، وَأَبْرَاجًا يَزْحَفُونَ بِهَا فِي الْمَرَاكِبِ إِلَى هَذَا الْبُرْجِ لِيُقَاتِلُوهُ وَيَمْلِكُوهُ . وَكَانَ الْبُرْجُ مَشْحُونًا بِالرِّجَالِ ، وَقَدْ نَزَلَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ ، وَهُوَ صَاحِبُ دِيَارِ مِصْرَ ، بِمَنْزِلَةٍ تُعْرَفُ بِالْعَادِلِيَّةِ ، بِالْقُرْبِ مِنْ دِمْيَاطَ ، وَالْعَسَاكِرُ مُتَّصِلَةٌ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى دِمْيَاطَ ، لِيَمْنَعَ الْعَدُوَّ مِنَ الْعُبُورِ إِلَى أَرْضِهَا . وَأَدَامَ الْفِرِنْجُ قِتَالَ الْبُرْجِ وَتَابَعُوهُ ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ ، وَكُسِّرَتْ مَرَمَّاتُهُمْ وَآلَاتُهُمْ ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مُلَازِمُونَ لِقِتَالِهِ ، فَبَقُوا كَذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ ; فَلَمَّا مَلَكُوهُ قَطَعُوا السَّلَاسِلَ لِتَدَخُّلَ مَرَاكِبُهُمْ مِنَ الْبَحْرِ الْمَالِحِ فِي النَّيْلِ وَيَتَحَكَّمُوا فِي الْبَرِّ ، فَنَصَبَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ عِوَضَ السَّلَاسِلِ جِسْرًا عَظِيمًا امْتَنَعُوا بِهِ مِنْ سُلُوكِ النِّيلِ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهِ أَيْضًا قِتَالًا شَدِيدًا ، كَثِيرًا مُتَتَابِعًا حَتَّى قَطَعُوهُ ، فَلَمَّا قُطِعَ أَخَذَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ عِدَّةَ مَرَاكِبَ كِبَارٍ وَمَلَأَهَا وَخَرَقَهَا وَغَرَّقَهَا فِي النَّيْلِ ، فَمَنَعَتِ الْمَرَاكِبَ مِنْ سُلُوكِهِ . فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ قَصَدُوا خَلِيجًا هُنَاكَ يُعْرَفُ بَالْأَرْزَقِ ، كَانَ النِّيلُ يَجْرِي فِيهِ قَدِيمًا ، فَحَفَرُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ وَعَمَّقُوهُ فَوْقَ الْمَرَاكِبِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي النِّيلِ ، وَأَجْرَوُا الْمَاءَ فِيهِ إِلَى الْبَحْرِ الْمَالِحِ ، وَأَصْعَدُوا مَرَاكِبَهُمْ فِيهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ بُورَةُ ، عَلَى أَرْضِ الْجِيزَةِ أَيْضًا ، مُقَابِلَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَلِكُ الْكَامِلُ لِيُقَاتِلُوهُ مِنْ هُنَاكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَيْهِ طَرِيقٌ يُقَاتِلُونَهُ فِيهَا ، كَانَتْ دِمْيَاطُ تَحْجِزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، فَلَمَّا صَارُوا فِي بُورَةَ حَاذُوهُ فَقَاتَلُوهُ فِي الْمَاءِ ، وَزَحَفُوا غَيْرَ مَرَّةً ، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطَائِلٍ . وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَى أَهْلِ دِمْيَاطَ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْمِيرَةَ وَالْأَمْدَادَ مُتَّصِلَةٌ بِهِمْ ، وَالنِّيلَ يَحْجِزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ ، فَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ أَذًى ، وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنَ الْحَصْرِ ضِيقٌ وَلَا ضَرَرٌ . فَاتَّفَقَ ، كَمَا يُرِيدُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَضَعُفَتْ نُفُوسُ النَّاسِ لِأَنَّهُ السُّلْطَانُ حَقِيقَةً ، وَأَوْلَادُهُ ، وَإِنْ كَانُوا مُلُوكًا إِلَّا أَنَّهُمْ بِحُكْمِهِ ، وَالْأَمْرُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَلَّكَهُمُ الْبِلَادَ ، فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ وَالْحَالُ هَكَذَا مِنْ مُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ . وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَرَاءِ بِمِصْرَ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ عِمَادُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمَشْطُوبِ ، وَهُوَ مِنَ الْأَكْرَادِ الْهَكَّارِيَّةِ ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَمِيرٍ بِمِصْرَ ، وَلَهُ لَفِيفٌ كَثِيرٌ ، وَجَمِيعُ الْأُمَرَاءِ يَنْقَادُونَ إِلَيْهِ وَيُطِيعُونَهُ لَا سِيَّمَا الْأَكْرَادُ ، فَاتَّفَقَ هَذَا الْأَمْرُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَخْلَعُوا الْمَلِكَ الْكَامِلَ مِنَ الْمُلْكِ ، وَيُمَلِّكُوا أَخَاهُ الْمَلِكَ الْفَائِزَ بْنَ الْعَادِلِ لِيَصِيرَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْبِلَادِ ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْكَامِلِ ، فَفَارَقَ الْمَنْزِلَةَ لَيْلًا جَرِيدَةً ، وَسَارَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا أَشْمُومُ طَنَّاحَ ، فَنَزَلَ عِنْدَهَا ، وَأَصْبَحَ الْعَسْكَرُ وَقَدْ فَقَدُوا سُلْطَانَهُمْ ، فَرَكِبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ هَوَاهُ ، وَلَمْ يَقِفِ الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ خِيَامِهِمْ وَذَخَائِرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ إِلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي يَخِفُّ حِمْلُهُ ، وَتَرَكُوا الْبَاقِيَ بِحَالِهِ مِنْ مِيرَةٍ ، وَسِلَاحٍ ، وَدَوَابَّ ، وَخِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَحِقُوا بِالْكَامِلِ . وَأَمَّا الْفِرِنْجُ فَإِنَّهُمْ أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ ، فَلَمْ يَرَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ كَجَارِي عَادَتِهِمْ ، فَبَقُوا لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ ، وَإِذْ قَدْ أَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَعَبَرُوا حِينَئِذٍ النِّيلَ إِلَى بَرِّ دِمْيَاطَ آمِنِينَ بِغَيْرِ مُنَازِعٍ وَلَا مُمَانِعٍ ، وَكَانَ عُبُورُهُمْ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَغَنِمُوا مَا فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ عَظِيمًا يُعِجِزُ الْعَادِّينَ . وَكَانَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ يُفَارِقُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ مِنْ عَسْكَرِهِ ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ مَلَكُوا الْجَمِيعَ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ، فَاتَّفَقَ مَنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ عِيسَى ابْنَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَصَلَ إِلَى أَخِيهِ الْكَامِلِ بَعْدَ هَذِهِ الْحَرَكَةِ بِيَوْمَيْنِ ، وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ، فَقَوِيَ بِهِ قَلْبُهُ وَاشْتَدَّ ظَهْرُهُ ، وَثَبَتَ جَنَانُهُ ، وَأَقَامَ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَأَخْرَجُوا ابْنَ الْمَشْطُوبَ إِلَى الشَّامِ ، فَاتَّصَلَ بِالْمَلِكِ الْأَشْرَفِ وَصَارَ مِنْ جُنْدِهِ . فَلَمَّا عَبَرَ الْفِرِنْجُ إِلَى أَرْضِ دِمْيَاطَ اجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا ، وَنَهَبُوا الْبِلَادَ الْمُجَاوِرَةَ لِدِمْيَاطَ ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ ، وَأَفْسَدُوا ، وَبَالَغُوا فِي الْإِفْسَادِ ، فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ ، وَكَانَ أَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى أَهْلِ دِمْيَاطَ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ أَحَدٌ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ وَمِنْ مَعَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ كَانُوا عِنْدَهَا يَمْنَعُونَ الْعَدُوَّ عَنْهَا ، فَأَتَتْهُمْ هَذِهِ الْحَرَكَةُ بَغْتَةً ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ الْمَشْطُوبِ ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ ، وَأَخَذَهُ أَخْذَةً رَابِيَةً ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَحَاطَ الْفِرِنْجُ بِدِمْيَاطَ ، وَقَاتَلُوهَا بَرًّا وَبَحْرًا ، وَعَمِلُوا عَلَيْهِمْ خَنْدَقًا يَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ يُرِيدُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُمْ ، وَأَدَامُوا الْقِتَالَ ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهَا ، وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَقْوَاتُ وَغَيْرُهَا ، وَسَئِمُوا الْقِتَالَ وَمُلَازَمَتَهُ ، لِأَنَّ الْفِرِنْجَ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْقِتَالَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ ، وَلَيْسَ بِدِمْيَاطَ مِنَ الْكَثْرَةِ مَا يَجْعَلُونَ الْقِتَالَ بَيْنَهُمْ مُنَاوَبَةً ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ صَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْجِرَاحُ وَالْمَوْتُ وَالْأَمْرَاضُ ، وَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ إِلَى السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَعَجَزَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا عَنِ الْحِفْظِ لِقِلَّتِهِمْ ، وَتَعَذُّرِ الْقُوتِ عِنْدَهُمْ ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَى الْفِرِنْجِ ، فِي هَذَا التَّارِيخِ ، بِالْأَمَانِ ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَأَقَامَ آخَرُونَ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الْحَرَكَةِ ، فَتَفَرَّقُوا أَيْدِي سَبَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية