الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ خُرُوجِ الْفِرِنْجِ مِنْ خَنَادِقِهِمْ لَمَّا تَتَابَعَتِ الْأَمْدَادُ إِلَى الْفِرِنْجِ ، وَجَنَّدَ لَهُمُ الْكَنْدُ هَرِي جَمْعًا كَثِيرًا بِالْأَمْوَالِ الَّتِي وَصَلَتْ مَعَهُ عَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ خَنَادِقِهِمْ وَمُنَاجَزَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَتَرَكُوا عَلَى عَكَّا مَنْ يَحْصُرُهَا وَيُقَاتِلُ أَهْلَهَا ، وَخَرَجُوا حَادِيَ عَشَرَ شَوَّالٍ فِي عَدَدٍ كَالرَّمْلِ كَثْرَةً ، وَكَالنَّارِ جَمْرَةً . فَلَمَّا رَأَى صَلَاحُ الدِّينِ ذَلِكَ نَقَلَ أَثْقَالَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَيْمُونَ ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ عَنْ عَكَّا ، وَكَانَ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ مَنْ فَرَّقَ مِنْ عَسَاكِرِهِ لَمَّا هَلَكَ مَلِكُ الْأَلْمَانِ ، وَلَقِيَ الْفِرِنْجَ عَلَى تَعْبِئَةٍ حَسَنَةٍ . وَكَانَ أَوْلَادُهُ الْأَفْضَلُ عَلِيٌّ ، وَالظَّاهِرُ غَازِي ، وَالظَّافِرُ [ خَضِرٌ ] مِمَّا يَلِي الْقَلْبَ ، وَأَخُوهُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمَيْمَنَةِ ، وَمَعَهُ عَسَاكِرُ مِصْرَ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ ، وَكَانَ فِي الْمَيْسَرَةِ عِمَادُ الدِّينِ ، صَاحِبُ سِنْجَارَ ، وَتَقِيُّ الدِّينِ ، صَاحِبُ حَمَاةَ ، وَمُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرْ شَاهْ صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ ، مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أُمَرَائِهِ . وَاتُّفِقَ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ أَخَذَهُ مَغَسٌ كَانَ يَعْتَادُهُ ، فَنَصَبَ لَهُ خَيْمَةً صَغِيرَةً عَلَى تَلٍّ مُشْرِفٍ عَلَى الْعَسْكَرِ ، وَنَزَلَ فِيهَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ، فَسَارَ الْفِرِنْجُ ، شَرْقِيَّ نَهَرٍ هُنَاكَ ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى رَأْسِ النَّهَرِ ، فَشَاهَدُوا عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ وَكَثْرَتَهَا ، فَارْتَاعُوا لِذَلِكَ ، وَلَقِيَهُمُ الْجَالْشِيَّةُ ، وَأَمْطَرُوا عَلَيْهِمْ مِنَ السِّهَامِ مَا كَادَ يَسْتُرُ الشَّمْسَ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَحَوَّلُوا إِلَى غَرْبِيِّ النَّهَرِ ، وَلَزِمَهُمُ الْجَالْشِيَّةُ يُقَاتِلُونَهُمْ ، وَالْفِرِنْجُ قَدْ تَجَمَّعُوا ، وَلَزِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَكَانَ غَرَضُ الْجَالْشِيَّةِ أَنْ تَحْمِلَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِمْ ، فَيَلْقَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَيَلْتَحِمَ الْقِتَالُ ، فَيَكُونَ الْفَصْلُ ، وَيَسْتَرِيحَ النَّاسُ ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مُفَارَقَةِ خَنَادِقِهِمْ ، فَلَزِمُوا مَكَانَهُمْ ، وَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادُوا نَحْوَ عَكَّا لِيَعْتَصِمُوا بِخَنْدَقِهِمْ ، وَالْجَالْشِيَّةُ فِي أَكْتَافِهِمْ يُقَاتِلُونَهُمْ تَارَةً بِالسُّيُوفِ ، وَتَارَةً بِالرِّمَاحِ ، وَتَارَةً بِالسِّهَامِ ، وَكُلَّمَا قُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ قَتِيلٌ أَخَذُوهُ مَعَهُمْ لِئَلَّا يَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مَا أَصَابَهُمْ ، فَلَوْلَا ذَلِكَ الْأَلَمُ الَّذِي حَدَثَ بِصَلَاحِ الدِّينِ لَكَانَتْ هِيَ الْفَيْصَلَ ، وَإِنَّمَا لِلَّهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْفِرِنْجُ خَنْدَقَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَهَا ظُهُورٌ مِنْهُ ، عَادَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى خِيَامِهِمْ ، وَقَدْ قَتَلُوا مِنَ الْفِرِنْجِ خَلْقًا كَثِيرًا . وَفِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ أَيْضًا كَمَنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَعَرَّضَ لِلْفِرِنْجِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَرْبَعُمِائَةِ فَارِسٍ ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ، وَتَطَاوَلُوا لَهُمْ ، وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ حَتَّى جَازُوا الْكَمِينَ ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ . وَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ عَلَى الْفِرِنْجِ حَتَّى بَلَغَتْ غِرَارَةُ الْحِنْطَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ صُورِيٍّ ، فَصَبَرُوا عَلَى هَذَا ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْمِلُونَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ مِنَ الْبُلْدَانِ مِنْهُمُ الْأَمِيرُ أُسَامَةُ ، مُسْتَحْفِظُ بَيْرُوتَ ، كَانَ يَحْمِلُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ ، وَمِنْهُمْ سَيْفُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِالْمَشْطُوبِ ، كَانَ يَحْمِلُ مِنْ صَيْدَا أَيْضًا إِلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ مِنْ عَسْقَلَانَ وَغَيْرِهَا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكُوا جُوعًا خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ انْقِطَاعِ مَرَاكِبِهِمْ عَنْهُمْ لِهَيَاجِ الْبَحْرِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية