الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِعَرَفَاتٍ وَقَتْلِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، يَوْمَ عَرَفَةَ ، قُتِلَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُقَدَّمِ بِعَرَفَاتٍ ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاحِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ ذَكْرِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ طَلَبَ إِذْنًا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَحُجَّ وَيُحْرِمَ مِنَ الْقُدْسِ ، وَيَجْمَعَ فِي سَنَةٍ بَيْنَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَزِيَارَةِ الْخَلِيلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا بِالشَّامِ مِنْ مَشَاهِدِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَبَيْنَ زِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَجْمَعِينَ ، فَأَذِنَ لَهُ . وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ تِلْكَ السَّنَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ بِالشَّامِ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ مِنَ الْبِلَادِ : الْعِرَاقِ ، وَالْمَوْصِلِ ، وَدِيَارِ بَكْرٍ ، وَالْجَزِيرَةِ ، وَخِلَاطَ ، وَبِلَادِ الرُّومِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا ، لِيَجْمَعُوا بَيْنَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَمَكَّةَ ، فَجُعِلَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ فَسَارُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عَرَفَاتٍ سَالِمِينَ ، وَوَقَفُوا فِي تِلْكَ الْمَشَاعِرِ ، وَأَدَّوُا الْوَاجِبَ وَالسُّنَّةَ . فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ عَرَفَةَ تَجَهَّزَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِيَسِيرُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ كَوْسَاتِهِ الَّتِي هِيَ أَمَارَةُ الرَّحِيلِ ، فَضَرَبَهَا أَصْحَابُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ ، وَهُوَ مُجِيرُ الدِّينِ طَاشْ تِكِينُ ، يَنْهَاهُ عَنِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَهُ ، وَيَأْمُرُهُ بِكَفِّ أَصْحَابِهِ عَنْ ضَرْبِ كَوْسَاتِهِ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ : إِنِّي لَيْسَ لِي مَعَكَ تَعَلُّقٌ ، أَنْتَ أَمِيرُ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ ، وَأَنَا أَمِيرُ الْحَاجِّ الشَّامِيِّ ، وَكُلٌّ مِنَّا يَفْعَلُ مَا يَرَاهُ وَيَخْتَارُهُ ، وَسَارَ وَلَمْ يَقِفْ ، وَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ . فَلَمَّا رَأَى طَاشْ تِكِينُ إِصْرَارَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ رَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَجْنَادِهِ ، وَتَبِعَهُ مِنْ غَوْغَاءِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ وَبَطَّاطِيهِمْ ، وَطَمَّاعَتِهِمُ ، الْعَالَمُ الْكَثِيرُ ، وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَقَصَدُوا حَاجَّ الشَّامِ مُهَوِّلِينَ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُمْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ الضَّبْطِ ، وَعَجَزُوا عَنْ تَلَافِيهِ ، فَهَجَمَ طَمَّاعَةُ الْعِرَاقِ عَلَى حَاجِّ الشَّامِ وَفَتَكُوا فِيهِمْ ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَسُبِيَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ ، إِلَّا أَنَّهُنَّ رُدِدْنَ عَلَيْهِمْ . وَجُرِحَ ابْنُ الْمُقَدَّمِ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ ، وَكَانَ يَكُفُّ أَصْحَابَهُ عَنِ الْقِتَالِ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ لَانْتَصَفَ مِنْهُمْ وَزَادَ ، لَكِنَّهُ أَخَذَهُ طَاشْ تِكِينْ إِلَى خَيْمَتِهِ ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ لِيُمَرِّضَهُ وَيَسْتَدْرِكَ الْفَارِطَ فِي حَقِّهِ ، وَسَارُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَاتَ بِمِنًى ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْمُعَلَّى ، وَرُزِقَ الشَّهَادَةَ بَعْدَ الْجِهَادِ ، وَشُهُودِ فَتْحِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية