الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، فِي الْمُحَرَّمِ ، خُطِبَ لِلسُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنَ أَرْسَلَانَ بْنِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهَ الْمُقِيمِ عِنْدَ إِيلْدِكْزَ بِهَمَذَانَ ، وَكَانَ أَبُوهُ أَرْسَلَانُ قَدْ تُوُفِّيَ . وَفِيهَا ، سَابِعَ شَوَّالٍ ، هَبَّتْ بِبَغْدَادَ رِيحٌ عَظِيمَةٌ ، فَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، فَبَقِيَ ذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ انْجَلَتْ ، وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الدُّورِ ، وَمَاتَ فِيهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ . وَفِيهَا ، رَابِعَ ذِي الْقِعْدَةِ ، قُتِلَ عَضُدُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فَعَبَرَ دِجْلَةَ لِيَسِيرَ ، وَعَبَرَ مَعَهُ أَرْبَابُ مَنَاصِبَ ، وَهُوَ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ لَا يَمْنَعُوا عَنْهُ أَحَدًا ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ قُطُفْتَا لَقِيَهُ كَهْلٌ فَقَالَ : أَنَا مَظْلُومٌ ، وَتَقَدَّمَ لِيَسْمَعَ الْوَزِيرُ كَلَامَهُ ، فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي خَاصِرَتِهِ ، فَصَاحَ الْوَزِيرُ : قَتَلْتَنِي ! وَوَقَعَ مِنَ الدَّابَّةِ ، وَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ ، فَغَطَّى رَأْسَهُ بِكُمِّهِ ، وَضَرَبَ الْبَاطِنِيَّ بِسَيْفٍ ، وَعَادَ إِلَى الْوَزِيرِ فَضَرَبَهُ ، وَأَقْبَلَ حَاجِبُ الْبَابِ ابْنُ الْمُعْوَجِّ لِيَنْصُرَ الْوَزِيرَ ، فَضَرْبَهُ الْبَاطِنِيُّ بِسِكِّينٍ وَقِيلَ بَلْ ضَرَبَهُ رَفِيقٌ كَانَ لِلْبَاطِنِيِّ ، ثُمَّ قُتِلَ الْبَاطِنِيُّ وَرَفِيقُهُ ، وَكَانَ لَهُمَا رَفِيقٌ ثَالِثٌ ، فَصَاحَ وَبِيَدِهِ سِكِّينٌ فَقُتِلَ وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا . وَأَحْرَقُوا ثَلَاثَتَهُمْ وَحُمِلَ الْوَزِيرُ إِلَى دَارٍ لَهُ هُنَاكَ ، وَحُمِلَ حَاجِبُ الْبَابِ مَجْرُوحًا إِلَى بَيْتِهِ ، فَمَاتَ هُوَ وَالْوَزِيرُ ، وَحُمِلَ الْوَزِيرُ فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِمَقْبَرَةِ الرِّبَاطِ عِنْدَ جَامِعِ الْمَنْصُورِ . وَكَانَ الْوَزِيرُ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مُعَانِقُ عُثْمَانَ بْنِ [ عَفَّانَ ] ، وَحَكَى عَنْهُ وَلَدُهُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، وَقَالَ : هَذَا غُسْلُ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَا مَقْتُولٌ بِلَا شَكٍّ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَكَانَ أَبُوهُ أُسْتَاذَ دَارِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ ، فَلَمَّا مَاتَ وُلِّيَ هُوَ مَكَانَهُ ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ الْمُقْتَفِي ، فَأَقَرَّهُ الْمُسْتَنْجِدُ عَلَى ذَلِكَ وَرَفَعَ قَدْرَهُ ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْمُسْتَضِيءُ اسْتَوْزَرَهُ ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ ، سَمِعَ الْحَدِيثَ ، وَلَهُ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ ، وَكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعًا لِلْعُلَمَاءِ ، وَخُتِمَتْ أَعْمَالُهُ بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ . وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ حَضَرَ قَوْمٌ مِنْ مُسْلِمِي الْمَدَائِنِ إِلَى بَغْدَادَ ، فَشَكُوا مَنْ يَهُودِهَا ، وَقَالُوا : لَنَا مَسْجِدٌ نُؤَذِّنُ فِيهِ وَنُصَلِّي ، وَهُوَ مُجَاوِرُ الْكَنِيسَةِ ، فَقَالَ لَنَا الْيَهُودُ : قَدْ آذَيْتُمُونَا بِكَثْرَةِ الْأَذَانِ ، فَقَالَ الْمُؤَذِّنُ : مَا نُبَالِي بِذَلِكَ ، فَاخْتَصَمُوا ، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الْيَهُودُ ، فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ يَشْكُونَ مِنْهُمْ ، فَأَمَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ ، بِحَبْسِهِمْ ، ثُمَّ أُخْرِجُوا ، فَقَصَدُوا جَامِعَ الْقَصْرِ ، وَاسْتَغَاثُوا قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَخَفَّفَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ ، فَعَادُوا يَسْتَغِيثُونَ ، فَأَتَاهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ وَمَنَعُوهُمْ ، فَلَمَّا رَأَى الْعَامَّةُ مَا فُعِلَ بِهِمْ غَضِبُوا نُصْرَةً لِلْإِسْلَامِ ، فَاسْتَغَاثُوا ، وَقَالُوا أَشْيَاءَ قَبِيحَةً ، وَقَلَعُوا طَوَابِيقَ الْجَامِعِ ، وَرَجَمُوا الْجُنْدَ فَهَرَبُوا ، ثُمَّ قَصَدَ الْعَامَّةُ دَكَاكِينَ الْمُخَلَّطِينَ ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَهُودٌ ، فَنَهَبُوهَا ، وَأَرَادَ حَاجِبُ الْبَابِ مَنْعَهُمْ ، فَرَجَمُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ ، وَانْقَلَبَ الْبَلَدُ ، وَخَرَّبُوا الْكَنِيسَةَ الَّتِي عِنْدَ دَارِ الْبَسَاسِيرِيِّ ، وَأَحْرَقُوا التَّوْرَاةَ فَاخْتَفَى الْيَهُودُ ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ تُنْقَضَ الْكَنِيسَةُ الَّتِي بِالْمَدَائِنِ وَتُجْعَلَ مَسْجِدًا ، وَنُصِبَ بِالرَّحَبَةِ أَخْشَابٌ لِيُصْلَبَ عَلَيْهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَظَنَّهَا الْعَامَّةُ نُصِبَتْ تَخْوِيفًا لَهُمْ لِأَجْلِ مَا فَعَلُوا ، فَعَلَّقُوا عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ جِرْذَانًا مَيْتَةً ، وَأُخْرِجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَبْسِ لُصُوصٌ فَصُلِبُوا عَلَيْهَا . وَفِيهَا ، فِي شَعْبَانَ ، قَبَضَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ ، عَلَى وَزِيرِهِ جَلَالِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلَا عَجْزٍ ، وَلَا لِتَقْصِيرٍ ، بَلْ لِعَجْزِ سَيْفِ الدِّينِ ، فَإِنَّ جَلَالَ الدِّينِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُجَاهِدِ الدِّينِ قَايْمَازَ مُشَاحَنَةٌ ، فَقَالَ مُجَاهِدُ الدِّينِ لِسَيْفِ الدِّينِ : لَابُدَّ مِنْ قَبْضِ الْوَزِيرِ ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ كَارِهًا لِذَلِكَ ، ثُمَّ شَفَعَ ابْنُ نِيسَانَ رَئِيسُ آمِدَ لِصِهْرٍ بَيْنَهُمَا ، فَأُخْرِجَ ، وَسَارَ إِلَى آمِدَ فَمَرِضَ بِهَا ، وَعَادَ إِلَى دُنَيْسِرَ ، فَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ [ وَخَمْسِمِائَةٍ ] وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، وَحُمِلَ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ فِي الرِّبَاطِ الَّذِي بَنَاهُ بِهَا . وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا ، جَمَعَ كَرَمًا ، وَعِلْمًا ، وَدِينًا ، وَعِفَّةً ، وَحُسْنَ سِيرَةٍ ، وَاسْتَحْلَفَهُ سَيْفُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَمْضِي إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَمْضِيَ إِلَيْهِ لِلْمَوَدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ جَمَالِ الدِّينِ وَبَيْنَ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ وَأَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ ، فَبَلَغَنِي أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ طَلَبَهُ فَلَمْ يَقْصِدْهُ لِلْيَمِينِ . وَفِيهَا اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفِرِنْجِ وَقَصَدُوا أَعْمَالَ حِمْصَ فَنَهَبُوهَا وَغَنِمُوا ، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا ، فَسَارَ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شِيرِكُوهْ ، صَاحِبُ حِمْصَ ، وَسَبَقَهُمْ وَوَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ . وَكَمَنَ لَهُمْ ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَالْكَمِينُ ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُقَدَّمَتِهِمْ ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ لَمْ يُفْلِتْ إِلَّا وَهُوَ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ جَمِيعَ مَا غَنِمُوا فَرَدَّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ . [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ ، تُوُفِّيَ صَدَقَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادُ ، الَّذِي ذَيَّلَ " تَارِيخَ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ " بِبَغْدَادَ . وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى ، تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمُشَطَّبِ بِبَغْدَادَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية