الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
562 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ عَوْدِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَسِيرَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ إِلَى مِصْرَ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ ، وَقُفُولُهُ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ أَقَامَ عَلَى حَالِهِ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ إِلَى الْآنِ . وَكَانَ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْهَا لَا يَزَالُ يَتَحَدَّثُ بِهَا وَبِقَصْدِهَا ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ تَجَهَّزَ وَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ فِي جَيْشٍ قَوِيٍّ ، وَسَيَّرَ مَعَهُ نُورُ الدِّينِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْ فَارِسٍ ، وَكَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى جِدَّ أَسَدِ الدِّينِ فِي الْمَسِيرِ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا أَنْ يُسَيِّرَ مَعَهُ جَمْعًا خَوْفًا مِنْ حَادِثٍ يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ ، فَيَضْعُفُ الْإِسْلَامَ ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ مَعَهُ عَسْكَرُهُ سَارَ إِلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِّ ، وَتَرَكَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ عَلَى يَمِينِهِ ، فَوَصَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ، فَقَصَدَ إِطْفِيحَ ، وَعَبَرَ النِّيلَ عِنْدَهَا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، وَنَزَلَ بِالْجِيزَةِ مُقَابِلَ مِصْرَ ، وَتَصَرَّفَ فِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ ، وَحَكَمَ عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا . وَكَانَ شَاوُرُ لَمَّا بَلَغَهُ مَجِيءُ أَسَدِ الدِّينِ إِلَيْهِمْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْفِرِنْجِ يَسْتَنْجِدُهُمْ ، فَأَتَوْهُ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ ، طَمَعًا فِي مُلْكِهَا ، وَخَوْفًا أَنْ يَمْلِكَهَا أَسَدُ الدِّينِ فَلَا يَبْقَى لَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ مَقَامٌ مَعَهُ وَمَعَ نُورِ الدِّينِ ، فَالرَّجَاءُ يَقُودُهُمْ ، وَالْخَوْفُ يَسُوقُهُمْ ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ عَبَرُوا إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، وَكَانَ أَسَدُ الدِّينِ وَعَسَاكِرُهُ قَدْ سَارُوا إِلَى الصَّعِيدِ ، فَبَلَغَ مَكَانًا يُعْرَفُ بِالْبَابَيْنِ ، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالْفِرِنْجُ وَرَاءَهُ ، فَأَدْرَكُوهُ بِهَا الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، وَكَانَ أَرْسَلَ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجِ جَوَّاسِينَ ، فَعَادُوا إِلَيْهِ ، وَأَخْبَرُوهُ بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ ، وَجَدِّهِمْ فِي طَلَبِهِ ، فَعَزَمَ عَلَى قِتَالِهِمْ ، إِلَّا أَنَّهُ خَافَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ تَضْعُفَ نُفُوسُهُمْ عَنِ الثَّبَاتِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَطَرِ الَّذِي عَطَبُهُمْ فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ سَلَامَتِهِمْ ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَبِلَادِهِمْ ، وَخَطَرِ الطَّرِيقِ ، فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَكُلُّهُمْ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِعُبُورِ النِّيلِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَالْعَوْدِ إِلَى الشَّامِ ، وَقَالُوا لَهُ : إِنْ نَحْنُ انْهَزَمْنَا ، وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ، فَإِلَى أَيْنَ نَلْتَجِئُ ، وَبِمَنْ نَحْتَمِي ، وَكُلُّ مَنْ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ مِنْ جُنْدِيٍّ وَعَامِيٍّ وَفَلَّاحٍ عَدُوٌّ لَنَا ؟ فَقَامَ أَمِيرٌ مِنْ مَمَالِيكِ نُورِ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ شَرَفُ الدِّينِ بَزْغُشُ ، صَاحِبُ شَقِيفَ ، وَكَانَ شُجَاعًا ، وَقَالَ : مَنْ يَخَافُ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ فَلَا يَخْدِمُ الْمُلُوكَ بَلْ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ مَعَ امْرَأَتِهِ ، وَاللَّهِ لَئِنْ عُدْنَا إِلَى نُورِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَلَا بَلَاءٍ نُعْذَرُ فِيهِ لِيَأْخُذَنَّ مَا لَنَا مِنْ أَقْطَاعٍ وَجَامِكِيَّةٍ ، وَلَيَعُودَنَّ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا أَخَذْنَاهُ مُنْذُ خَدَمْنَاهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَيَقُولُ : تَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَتَفِرُّونَ عَنْ عَدُوِّهِمْ ، وَتُسَلِّمُونَ مِثْلَ مِصْرَ إِلَى الْكُفَّارِ ! وَالْحَقُّ بِيَدِهِ . فَقَالَ أَسَدُ الدِّينِ : هَذَا الرَّأْيُ ، وَبِهِ أَعْمَلُ ، وَقَالَ ابْنُ أَخِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ مِثْلَهُ ، وَكَثُرَ الْمُوَافِقُونَ لَهُمْ ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى الْقِتَالِ ، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْفِرِنْجُ وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَةٍ ، وَجَعَلَ الْأَثْقَالَ فِي الْقَلْبِ يَتَكَثَّرُ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتْرُكَهَا بِمَكَانٍ آخَرَ فَيَنْهَبُهَا أَهْلُ الْبِلَادِ ، وَجَعَلَ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ ، وَقَالَ وَلِمَنْ مَعَهُ : إِنَّ الْمِصْرِيِّينَ وَالْفِرِنْجَ يَجْعَلُونَ حَمْلَتَهُمْ عَلَى الْقَلْبِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي فِيهِ ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَلَا تَصْدُقُوهُمُ الْقِتَالَ ، وَلَا تُهْلِكُوا نُفُوسَكُمْ ، وَانْدَفِعُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَإِذَا عَادُوا عَنْكُمْ ، فَارْجِعُوا فِي أَعْقَابِهِمْ . وَاخْتَارَ هُوَ مِنْ شُجْعَانِ عَسْكَرِهِ جَمْعًا يَثِقُ بِهِمْ وَيَعْرِفُ صَبْرَهُمْ فِي الْحَرْبِ ، وَوَقَفَ بِهِمْ فِي الْمَيْمَنَةِ ، فَلَمَّا تَقَاتَلَ الطَّائِفَتَانِ فَعَلَ الْفِرِنْجُ مَا ذَكَرَهُ ، وَحَمَلُوا عَلَى الْقَلْبِ ، فَقَاتَلَهُمْ مَنْ بِهِ قِتَالًا يَسِيرًا ، وَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ ، فَحَمَلَ حِينَئِذٍ أَسَدُ الدِّينِ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الَّذِينَ حَمَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفِرِنْجِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ ، فَهَزَمَهُمْ ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ ، فَأَثْخَنَ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ وَالْأَسْرَ ، فَلَمَّا عَادَ الْفِرِنْجُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ رَأَوْا عَسْكَرَهُمْ مَهْزُومًا ، وَالْأَرْضَ قَفْرًا ، فَانْهَزَمُوا أَيْضًا ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا يُؤَرَّخُ أَنَّ أَلْفَيْ فَارِسٍ تَهْزِمُ عَسَاكِرَ مِصْرَ وَفِرِنَجَ السَّاحِلِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية