الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ حَصْرِ تَكْرِيتَ وَوَقْعَةِ بِكَمْزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ رَسُولًا إِلَى وَالِي تَكْرِيتَ ، بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَأْسُورِينَ ، وَهُمُ ابْنُ الْوَزِيرِ وَغَيْرُهُ ، فَقَبَضُوا عَلَى الرَّسُولِ ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَيْهِمْ ، فَخَرَجَ أَهْلُ تَكْرِيتَ ، فَقَاتَلُوا الْعَسْكَرَ وَمَنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ ، فَسَارَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ فَنَزَلَ عَلَى الْبَلَدِ ، فَهَرَبَ أَهْلُهُ ، فَدَخَلَ الْعَسْكَرُ فَشَعَّثُوا وَنَهَبُوا بَعْضَهُ ، وَنَصَبَ عَلَى الْقَلْعَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَنْجَنِيقًا ، فَسَقَطَ مِنْ أَسْوَارِهَا بُرْجٌ وَبَقِيَ الْحَصْرُ كَذَلِكَ إِلَى الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالْقِتَالِ وَالزَّحْفِ ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى ، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا غَرَضًا ، فَرَحَلَ عَائِدًا إِلَى بَغْدَادَ ، فَدَخَلَهَا آخِرَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ الْوَزِيرَ عَوْنَ الدِّينِ بْنَ هُبَيْرَةَ بِالْعَوْدِ إِلَى مُحَاصَرَتِهَا ، وَالِاسْتِعْدَادِ ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْآلَاتِ لِلْحِصَارِ ، فَسَارَ إِلَيْهَا سَابِعَ رَبِيعٍ الْآخَرِ ، وَنَازَلَهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهَا ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ بِأَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَصَلَ إِلَى شَهْرَابَانَ وَمَعَهُ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ وَتُرْشَكُ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ وَنَهَبُوا الْبِلَادَ ، فَعَادَ الْوَزِيرُ إِلَى بَغْدَادَ . وَكَانَ سَبَبَ وُصُولِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنَّهُمْ حَثُّوا الْمَلِكَ مُحَمَّدًا ابْنَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ عَلَى قَصْدِ الْعِرَاقِ ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ ، فَسَيَّرَ هَذَا الْعَسْكَرَ ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ ، فَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ ، فَأَرْسَلَ مَسْعُودُ بِلَالٍ إِلَى تَكْرِيتَ ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ ابْنَ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِتَكْرِيتَ ، وَقَالَ : هَذَا السُّلْطَانُ نُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِزَاءِ الْخَلِيفَةِ . وَالْتَقَى الْعَسْكَرَانِ عِنْدَ بِكَمْزَا بِالْقُرْبِ مِنْ بَعْقُوبَا ، وَدَامَ بَيْنَهُمُ الْمُنَاوَشَةُ وَالْمُحَارَبَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا آخِرَ رَجَبٍ فَاقْتَتَلُوا ، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَبَعْضُ الْقَلْبِ ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ بَغْدَادَ ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُهُ ، وَقُتِلَ خَازِنُهُ ، فَحَمَلَ الْخَلِيفَةُ بِنَفْسِهِ هُوَ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ وَصَاحَ : يَا آلَ هَاشِمٍ ! كَذَبَ الشَّيْطَانُ ; وَقَرَأَ : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ، وَحَمَلَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مَعَهُ فَانْهَزَمَ مَسْعُودٌ وَالْبَقْشُ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمْ ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ ، وَظَفَرَ الْخَلِيفَةُ بِهِمْ ، وَغَنَمَ عَسْكَرُهُ جَمِيعَ مَالِ التُّرْكُمَانِ مِنْ دَوَابَّ وَغَنَمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَبِيعَ كُلُّ كَبْشٍ بِدَانَقٍ ; وَكَانُوا قَدْ حَضَرُوا بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَخَرَكَاهَاتِهِمْ وَجَمِيعِ مَالِهِمْ ، فَأُخِذَ جَمِيعُهُ ، وَنُودِيَ : مَنْ أَخَذَ مِنْ أَوْلَادِ التُّرْكُمَانِ وَنِسَائِهِمْ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهُ ; فَرَدُّوهُ ، فَأَخَذَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ الْمَلِكَ أَرْسَلَانَ ، وَانْهَزَمَ إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ وَقَلْعَةِ الْمَاهِكِي . وَفِي هَذِهِ الْحَرْبِ غَدَرَ بَنُو عَوْفٍ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ ، وَلَحِقُوا بِالْعَجَمِ ، وَمَضَى هِنْدِيٌّ الْكُرْدِيُّ أَيْضًا مَعَهُمْ . وَكَانَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ قَدْ أَرْسَلَ عَسْكَرًا مَعَ خَاصِّ بِكْ بْنِ آقْسُنْقُرْ نَجْدَةً لِكُونْ خَرْ ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّاذَانِ بَلَغَهُمْ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ فَعَادُوا ، وَرَجَعَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا أَوَائِلَ شَعْبَانَ ، فَوَصَلَهُ الْخَبَرُ أَنَّ مَسْعُودَ بِلَالٍ وَتُرْشَكُ قَصْدَا مَدِينَةَ وَاسِطَ فَنَهَبَا وَخَرَّبَا ، فَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ فِي عَسْكَرٍ خَامِسَ عَشَرَ شَعْبَانَ ، فَانْهَزَمَ الْعَجَمُ فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ ، وَنَهَبَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا ، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَادَ ، فَلُقِّبَ الْوَزِيرُ سُلْطَانُ الْعِرَاقِ مَلِكَ الْجُيُوشِ . وَسَيَّرَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إِلَى بَلَدِ اللِّحْفِ فَأَخَذَهُ وَصَارَ فِي جُمْلَتِهِ ، وَأَمَّا الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانْ بْنُ طُغْرُلَ فَإِنَّ الْبَقْشُ أَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بَلَدِهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ يَقُولُ لَهُ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ وَأَرْسَلَانُ مَعَهُ ، فَمَاتَ الْبَقْشُ كُونْ خَرْ فِي رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، وَبَقِيَ أَرْسَلَانُ مَعَ ابْنِ الْبَقْشِ ، وَحَسَنٍ الْجَانْدَارِ ، فَحَمَلَاهُ [ إِلَى ] الْجَبَلِ ، فَخَافَ الْمَلِكُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَصِلَ أَرْسَلَانُ إِلَى زَوْجِ أُمِّهِ إِيلْدِكْزَ فَيَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إِلَى قَصْدِ الْبِلَادِ ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ حَذَرُهُ ، وَاتَّصَلَ أَرْسَلَانُ بِإِيلْدِكْزَ زَوْجِ أُمِّهِ فَصَارَ مَعَهُ ، وَهُوَ أَخُو الْبَهْلَوَانِ بْنِ إِيلْدِكْزَ لِأُمِّهِ ، وَطُغْرُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَوَارَزْمُ شَاهْ وَلَدُ أَرْسَلَانَ هَذَا ، وَكَانَ طُغْرُلُ آخِرَ السَّلْجُوقِيَّةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية