الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ومن قتل ) هو مثال فغير القتل مثله إن أمكنت المماثلة فيه لا قطع طرف بمثقل ، وإيضاح به أو بسيف لم يؤمن فيه الزيادة بل يتعين نحو الموسى كما مر ( بمحدد ) كسيف أو غيره كحجر ( أو خنق ) بكسر النون مصدرا ( أو تجويع ونحوه ) كتغريق بماء ملح أو عذب وإلقاء من علو ( اقتص ) إن شاء لما يأتي أن له العدول إلى السيف ( به ) أي بمثله مقدارا ومحلا وكيفية حيث كان غرضه إزهاق روحه لو لم تفد فيه المماثلة ، [ ص: 305 ] فإن قصد العفو حينئذ فلا ، وذلك للمماثلة المفيدة للتشفي الدال عليها الكتاب والسنة ، والنهي الوارد في المثلة مخصوص بما سوى ذلك ، ولو كانت الضربات التي قتل بها غير مؤثرة فيه ظنا لضعف المقتول وقوة القاتل عدل إلى السيف ، وله العدول في الماء عن الملح للعذب ; لأنه أخف لا عكسه ، فإن ألقاه بماء فيه حيتان تقتله ، ولم يمت بها بل بالماء لم يجب إلقاؤه فيه ، وإن مات بهما أو كانت تأكله ألقي فيه لتفعل به الحيتان كالأول على أرجح الوجهين رعاية للمماثلة ولا تلقى النار عليه إلا إن فعل بالأول ذلك ويخرج منها قبل أن يشوى جلده ليتمكن من تجهيزه ، وإن أكلت جسد الأول .

                                                                                                                            وقد تمتنع المماثلة كما لو كان المثل محرما كما قال ( أو بسحر فبسيف ) غير مسموم يتعين ضرب عنقه به ما لم يقتل به : أي وليس سمه مهريا أخذا مما يأتي لحرمة عمل السحر وعدم انضباطه فإن قتله بإنهاش أفعى قتل بالنهش في أرجح الوجهين ، وعليه تتعين تلك الأفعى ، فإن فقدت فمثلها ( وكذا خمر ) أو بول أو جره حتى مات ( ولواط ) بصغير يقتل مثله غالبا ونحوها من كل محرم يتعين فيه السيف ( في الأصح ) لتعذر المماثلة ، والثاني في الخمر يوجر مائعا كخل أو ماء ، وفي اللواط يدس في دبره خشبة قريبة من آلته ويقتل [ ص: 306 ] بها ، ورد بعدم حصول المماثلة بذلك فلا فائدة له ، ويتعين السيف جزما فيما لا مثل له ، كما لو جامع صغيرة في قبلها فقتلها ، ولو ذبحه كالبهيمة جاز قتله بمثله فيما يظهر خلافا لابن الرفعة من تعين السيف ، وله قتله بمثل السم الذي قتل به ما لم يكن مهريا يمنع الغسل ، ولو أوجره ماء متنجسا أوجر ماء طاهرا ، ولو رجع شهود زنا بعد رجمه رجموا ( ولو جوع كتجويعه ) أو ألقي في نار مثل مدته أو ضرب عدد ضربه ( فلم يمت زيد ) من ذلك الجنس ( حتى يموت ) ليقتل بما قتل به ( وفي قول السيف ) وصوبه البلقيني وغيره ، وهو المعتمد ; لأن المماثلة قد حصلت ولم يبق إلا تفويت الروح فوجب بالأسهل ، وقيل : يفعل به الأهون من الزيادة والسيف .

                                                                                                                            قالا وهو أقرب ، ونقله الإمام عن المعظم

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : لا قطع طرف ) قسيم لقوله ومن قتل إلخ ، ولو قال : لا إن قطع ، لكان أوضح ، هذا والأظهر جعله محترز قوله إن أمكنت إلخ ( قوله : مقدارا ومحلا ) .

                                                                                                                            [ فرع ] لو تعذر معرفة قدر الآلة فهل يأخذ باليقين أو يعدل إلى السيف ؟ الأصح الأول ا هـ سم على منهج [ ص: 305 ] قوله : وذلك للمماثلة ) ع : دليل ذلك حديث الجارية التي رض اليهودي رأسها ، وقوله صلى الله عليه وسلم { من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه } ا هـ سم على منهج ( قوله : غير مؤثرة فيه ظنا ) أي بحسب الظن

                                                                                                                            ( قوله : عدل إلى السيف ) وفي سم على منهج لو وكل المستحق وكيلا وأطلق فينبغي أن يخير الوكيل كالموكل ، بخلاف ما إذا عين له شيئا لا يجوز له مخالفته وإن وقع الموقع قاله طب ا هـ

                                                                                                                            ( قوله : لأنه أخف ) لعل وجه الخفة أن الغريق يصل الماء إلى جوفه عادة ، ووصول العذب ليس فيه ضرورة كوصول الملح

                                                                                                                            ( قوله : ويخرج منها ) أي وجوبا

                                                                                                                            ( قوله : قتل بالنهش ) أي ما لم يكن مهريا أخذا من مسألة السيف المتقدمة

                                                                                                                            ( قوله : في أرجح الوجهين ) خلافا لحج حيث سوى بين السحر والإنهاش

                                                                                                                            ( قوله : فإن فقدت ) أي فإن اختلف الجاني والمستحق أو لم يوجد لها مثل فينبغي تعين السيف ( قوله : وكذا خمر ) قال الشارح في شرح الإرشاد : وظاهر كلامه أنه لو قتله بالغمس في خمر لم يفعل به مثله ، ويوجه بأن التضمخ بالنجاسة حرام لا يباح بحال إلا لضرورة فكان كشرب البول ، ولا نظر لجواز التداوي به كما لم ينظروا لجواز التداوي بصرف البول ، فاندفع بذلك ما قاله : أي من الجواز الشارح : يعني الجوجري ا هـ .

                                                                                                                            وعلى ما قاله فيفارق التغريق في الخمر نحو شربها واللواط بأن إتلاف النفس مستحق والتنجيس جائز للحاجة كالتوصل هنا إلى استيفاء الحق فليتأمل ا هـ سم على حج

                                                                                                                            ( قوله : ولواط بصغير إلخ ) هذا قد يخرج البالغ فلا يجب القصاص على من لاط به ، ويمكن توجيهه بأن تمكينه من نفسه إذن في الفعل فلا يضمن ما تولد منه ، ويحتمل أنه لمجرد التصوير فلا فرق بين الصغير وغيره وهو الظاهر من إطلاق المصنف

                                                                                                                            ( قوله : لتعذر المماثلة ) لا يقال : يشكل بجواز [ ص: 306 ] الاقتصاص بنحو التجويع والتغريق مع تحريم ذلك ; لأنا نقول : نحو التجويع والتغريق إنما حرم ; لأنه يؤدي إلى إتلاف النفس ، والإتلاف هنا مستحق فلا يمنع ، بخلاف نحو الخمر واللواط فإنه يحرم وإن أمن الإتلاف فهذا امتنع هنا فليتأمل ا هـ سم على حج

                                                                                                                            ( قوله : كما لو جامع صغيرة في قبلها فقتلها ) ومعلوم مما سبق في شروط القصاص أن محل ذلك حيث كان جماعه يقتل مثلها غالبا وعلم به

                                                                                                                            ( قوله : وله قتل ) قال في الروض وشرحه : فلو أشكل معرفة قدر ما تحصل به المماثلة أخذ باليقين ا هـ سم على حج وهو أقل ما تيقن منه ( قوله : فلم يمت زيد إلخ ) عبارة سم على منهج : قوله وقيل يزاد إلخ ، اعتمده م ر .

                                                                                                                            وقيل يفعل به أهون الأمرين ، ومشى عليه في الروض وشيخنا طب وفي الروض أنه أقرب



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : لم تؤمن فيه الزيادة ) ظاهره أنها إذا أمنت جاز وهو قد يخالف ما مر ( قوله : بكسر النون مصدرا ) أي ككذب ومضارعه يخنق بضم النون كما قاله الجوهري وجوز فيه الفارابي إسكان النون وتبعه المصنف في تحريره فقال ويجوز إسكان النون مع فتح الحاء وكسرها .

                                                                                                                            قال : وحكى صاحب المطالع فتح النون وهو [ ص: 305 ] شاذ وغلط ( قوله : فإن قصد العفو حينئذ فلا ) أي لأن فيه تعذيبا مع الإفضاء إلى القتل الذي هو نقيض العفو قاله في التحفة ( قوله : وهذا فيما لا يقتص به ) كإجافة وكسر عضد كما يعلم مما يأتي ( قوله : فإن ألقاه بماء فيه حيتان إلخ . ) عبارة العباب : أو بماء فيه حيتان تقتله ولا تأكله ، فإن لم يمت بها بل بالماء لم يجز إلقاؤه فيه ، وإن مات بها أو كانت تأكله إلخ . ( قوله : لتعذر المماثلة ) قال الشهاب سم : لا يقال يشكل بجواز الاقتصاص بنحو التجويع والتغريق مع تحريم ذلك .

                                                                                                                            لأنا نقول : نحو التجويع والتغريق إنما حرم لأنه يؤدي إلى إتلاف النفس ، والإتلاف [ ص: 306 ] هنا مستحق فلا يمنع ، بخلاف نحو الخمر واللواط فإنه يحرم ، وإن أمن الإتلاف فلهذا امتنع هنا فليتأمل

                                                                                                                            ا هـ . ( قوله : من تعينه ) يعني : ما ذبحه به




                                                                                                                            الخدمات العلمية