الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( فصل ) في مؤن الأقارب ( يلزمه ) أي الفرع الحر أو المبعض ذكرا كان أو أنثى ( نفقة ) أي مؤنة حتى نحو دواء وأجرة طبيب ( الوالد ) المعصوم الحر وقنه المحتاج له وزوجته  إن وجب إعفافه أو المبعض بالنسبة لبعضه الحر لا المكاتب ( وإن علا ) ولو أنثى غير وارثة إجماعا ، ولقوله تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } وللخبر الصحيح { إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه } ( و ) يلزم الأصل الحر أو المبعض ذكرا أو أنثى مؤنة ( الولد ) المعصوم الحر أو المبعض كذلك ( وإن سفل ) ولو أنثى كذلك لقوله تعالى { وعلى المولود له } الآية ، ومعنى { وعلى الوارث مثل ذلك } الذي أخذ منه أبو حنيفة رضي الله عنه وجوب نفقة المحارم   : أي في عدم المضارة كما قيده ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو أعلم بالقرآن من غيره ، وقوله { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } فإذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم ، ومن ثم أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له وألحق به بالغ عاجز كذلك لخبر هند { خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } ( وإن اختلف دينهما ) بشرط عصمة المنفق عليه كما مر لا نحو مرتد وحربي كما جرى عليه جمع ؛ إذ لا حرمة لهما ؛ لأنه مأمور بقتلهما وذلك لعموم الأدلة وكالعتق ورد الشهادة ، بخلاف الإرث فإنه مبني على المناصرة وهي مفقودة حينئذ ، وإنما تجب ( بشرط يسار المنفق ) ؛ لأنها مواساة ونفقة الزوج معاوضة ، ويقبل قوله بيمينه في إعساره كما مر في الفلس حيث لم يكذبه ظاهر حاله وإلا طولب ببينة تشهد له به ( بفاضل عن قوته وقوت عياله ) من زوجته وخادمها وأم ولده كما ألحقهما بها الأذرعي بحثا وعن سائر مؤنهم ، وخص الفوت ؛ لأنه أهم لا عن دينه كما صرح به الأصحاب في باب الفلس وذلك لخبر مسلم { ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك } وبعمومه يتقوى ما مر عن أبي حنيفة إلا أن يجاب بأنه يستنبط من النص معنى يخصصه ( في يومه ) وليلته التي تليه غداء وعشاء ، ولو لم يكفه الفاضل لم يجب غيره ( ويباع فيها ما يباع في الدين ) [ ص: 219 ] من عقار وغيره كمسكن وخادم ومركوب وإن احتاجهما لتقدمها على وفائه ، فيباع فيها ما يباع فيه بالأولى فسقط ما قيل كيف يباع مسكنه لاكتراء مسكن لأصله ويبقى هو بلا مسكن مع خبر { ابدأ بنفسك } على أن الخبر إنما يأتي فيما إذا لم يبق معه بعد بيع مسكنه إلا ما يكفي أجرة مسكنه أو مسكن والده ، وحينئذ المقدم مسكنه فذكر الخبر تأكيدا للإشكال وهم ، وكيفية بيع العقار لها كما سيأتي في نفقة العبد ، وصححه المصنف وصوبه الأذرعي وألحق غير العقار به في ذلك مما يشق بيعه شيئا فشيئا أنه يستدان لها إلى اجتماع ما يسهل بيعه فيباع ، فإن تعذر بيع الجزء ، ولم يوجد من يشتري إلا الكل بيع الكل .

                                                                                                                            أما ما لا يباع فيه مما مر في باب الفلس فلا يباع فيها بل يترك له ولممونه ( ويلزم كسوبا كسبها ) أي المؤن ، ولو لحليلة الأصل كالأدم والسكنى والإخدام حيث وجب ( في الأصح ) إن حل ولاق به وإن لم تجر به عادته ؛ لأن القدرة بالكسب كهي بالمال في تحريم الزكاة وغيره وإنما لم يلزمه لوفاء دين لم يعص به ؛ لأنه على التراخي وهذه فورية ولقلة هذه وانضباطها بخلافه ، ومن ثم لو صارت دينا بفرض قاض لم يلزمه الاكتساب لها ، ولا يجب عليه سؤال زكاة ولا قبول هبة .

                                                                                                                            فإن فعل وفضل منه شيء عما مر أنفق عليه منه .

                                                                                                                            والثاني لا كما لا يلزمه الكسب لوفاء دينه ورد بما مر ، ومحل وجوب ذلك في حليلة الأصل بقدر نفقة المعسرين فلا يكلف فوقها ، وإن قدر كما اقتضاه كلام الإمام والغزالي وإن اقتضى كلام الماوردي خلافه ( ولا تجب ) المؤن ( لمالك كفايته ولا ) لشخص ( مكتسبها ) لاستعماله ، فإن قدر على كسب ، ولم يكتسب كلفه إن كان حلالا لائقا به ، وإلا فلا ، ولو قدرت الأم أو البنت على النكاح لم تسقط مؤنتها كما جزم به ابن الرفعة ، وفارق القدرة على الكسب بأن حبس النكاح لا أمد له بخلاف سائر أنواع الاكتساب ، فلو تزوجت سقطت نفقتها بالعقد ، وإن أعسر زوجها إلى فسخها لئلا يجمع نفقتين كذا قيل ، وفيه نظر ؛ لأن نفقتها على الزوج إنما تجب بالتمكين كما مر [ ص: 220 ] فكان القياس اعتباره ، إلا أن يقال : إنها بقدرتها عليه مفوتة لحقها ، وعليه فمحله في مكلفة فغيرها لا بد من التمكين وإلا لم تسقط عن الأب فيما يظهر .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية