الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ ضَرْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ضَرْبَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ . وَكَانَ سَبَبُ ضَرْبِهَا أَنَّهُ كَتَبَ فِي صُدُورِ الْكُتُبِ إِلَى الرُّومِ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ التَّارِيخِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ : إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، فَاتْرُكُوهُ وَإِلَّا أَتَاكُمْ فِي دَنَانِيرِنَا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ مَا تَكْرَهُونَ . فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . فَأَحْضَرَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَشَارَهُ فِيهِ ، فَقَالَ : حَرِّمْ دَنَانِيرَهُمْ ، وَاضْرِبْ لِلنَّاسِ سَكَّةً فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - . فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ . ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَنَقَشَ فِيهَا : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْقُرْآنِ ، لِأَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ يَمَسُّهَا ، وَنَهَى أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ ، فَضَرَبَ سُمَيْرٌ الْيَهُودِيُّ ، فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ ، فَقَالَ لَهُ : عِيَارُ دِرْهَمِي أَجْوَدُ مِنْ دَرَاهِمِكَ ، فَلِمَ تَقْتُلُنِي ؟ فَلَمْ يَتْرُكْهُ ، فَوَضَعَ لِلنَّاسِ سِنَجَ الْأَوْزَانِ لِيَتْرُكَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْوَزْنَ ، إِنَّمَا يَزِنُونَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، فَلَمَّا وَضَعَ لَهُمْ سُمَيْرٌ السِّنَجَ كَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ غَبْنِ بَعْضٍ . وَأَوَّلُ مَنْ شَدَّدَ فِي أَمْرِ الْوَزْنِ وَخَلَّصَ الْفِضَّةَ أَبْلَغَ مِنْ تَخْلِيصِ مَنْ قَبْلَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَجَوَّدَ الدَّرَاهِمَ ، وَخَلَّصَ الْعِيَارَ وَاشْتَدَّ فِيهِ . ثُمَّ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَاشْتَدَّ أَكْثَرَ مِنَ ابْنِ هُبَيْرَةَ . ثُمَّ وَلِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ، فَأَفْرَطَ فِي الشِّدَّةِ ، فَامْتَحَنَ يَوْمًا الْعِيَارَ ، فَوَجَدَ دِرْهَمًا يَنْقُصُ حَبَّةً ، فَضَرَبَ كُلَّ صَانِعٍ أَلْفَ سَوْطٍ . وَكَانُوا مِائَةَ صَانِعٍ ، فَضَرَبَ فِي حَبَّةٍ مِائَةَ أَلْفِ سَوْطٍ . وَكَانَتِ الْهُبَيْرِيَّةُ وَالْخَالِدِيَّةُ وَالْيُوسُفِيَّةُ أَجْوَدَ نُقُودِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَنْصُورُ يَقْبَلُ فِي الْخَرَاجِ غَيْرَهَا ، فَسُمِّيَتِ الدَّرَاهِمُ الْأُولَى مَكْرُوهَةً . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَكْرُوهَةَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْحَجَّاجُ وَنَقَشَ عَلَيْهَا : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فَكَرِهَهَا الْعُلَمَاءُ لِأَجْلِ مَسِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ . وَكَانَتْ دَرَاهِمُ الْأَعْجَامِ مُخْتَلِفَةً كِبَارًا وَصِغَارًا ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ مِثْقَالًا ، وَهُوَ وَزْنُ عِشْرِينَ قِيرَاطًا ، وَمِنْهَا وَزْنُ اثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا ، وَمِنْهَا وَزْنُ عَشَرَةِ قَرَارِيطَ ، وَهِيَ أَصْنَافُ الْمَثَاقِيلِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ الدَّرَاهِمُ فِي الْإِسْلَامِ أَخَذُوا عِشْرِينَ قِيرَاطًا ، وَاثْنَيْ عَشَرَ قِيرَاطًا ، وَعَشَرَةَ قَرَارِيطَ ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا ، فَضَرَبُوا عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا ، فَوَزَنَ الدِّرْهَمُ الْعَرَبِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا ، فَصَارَ وَزْنُ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ . وَقِيلَ : إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ ضَرَبَ دَرَاهِمَ قَلِيلَةً أَيَّامَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، ثُمَّ كُسِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية