الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن امتنع من الجزية أو قتل مسلما أو سب النبي عليه الصلاة والسلام أو زنى بمسلمة لم ينتقض عهده ) لأن الغاية التي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها والالتزام باق . وقال الشافعي : سب النبي صلى الله عليه وسلم يكون نقضا ; لأنه ينقض إيمانه فكذا ينقض أمانه إذ عقد الذمة خلف عنه .

ولنا أن سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر منه ، والكفر المقارن لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه . [ ص: 63 ] قال ( ولا ينقض العهد إلا أن يلحق بدار الحرب أو يغلبوا على موضع فيحاربوننا ) ; لأنهم صاروا حربا علينا فيعرى عقد الذمة عن الفائدة وهو دفع شر الحراب .

التالي السابق


( قوله : ومن امتنع من أداء الجزية أو قتل مسلما أو زنى بمسلمة أو سب النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقض عهده ) فيصير مباح الدم باعتبار أنه لا عهد له عندنا ، وقيد بأدائها ; لأنه لو امتنع من قبولها نقض عهده . والشافعي ينقض عهده بالامتناع عن أداء الجزية وقبول أحكام الإسلام ، ولا ينقضه بزناه بمسلمة أو أن يصيبها بنكاح أو أن يفتن مسلما عن دينه أو يقطع الطريق أو يدل على عورات المسلمين أو يقتل مسلما ، وهو قول مالك وأحمد ، إلا أن مالكا قال : ينتقض بإكراه المسلمة على الزنا أو سبه عليه الصلاة والسلام أو ذكره تعالى بما لا ينبغي فإنه يقتله به إن لم يسلم ، ووافقه في هذا الشافعي في قول وأحمد في رواية ، وللشافعي أيضا فيما إذا ذكره تعالى بما لا ينبغي أو سبه عليه الصلاة والسلام قولان آخران : أحدهما لا ينتقض ، والآخر ينتقض .

وجه قوله هذا ( أنه بذلك ينتقض إيمانه ) لو كان مسلما ( فينتقض به أمانه إذ عقد الذمة خلف عن الإيمان ) في إفادة الأمان فما ينقض الأصل ينقض الخلف الأدنى بالطريق الأولى . وروى أبو يوسف عن حفص بن عبد الله عن ابن عمر أن رجلا قال له : سمعت راهبا سب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لو سمعته لقتلته ، إنا لم نعطهم العهود على هذا . قال المصنف : ( ولنا أن سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر من الذمي ) كما هو ردة من المسلم ( والكفر المقارن ) لعقد الذمة ( لا يمنع عقد الذمة ) في الابتداء ( فالكفر الطارئ لا يرفعه ) في حال البقاء بطريق أولى ، يؤيده ما روي { عن عائشة رضي الله عنها أن رهطا من اليهود دخلوا عليه صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك ، فقال وعليكم ، قالت : ففهمتها وقلت : عليكم السام واللعنة ، فقال صلى الله عليه وسلم مهلا : يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله ، قالت : فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : قد قلت وعليكم } ولا شك أن هذا سب منهم له صلى الله عليه وسلم ، ولو كان نقضا للعهد لقتلهم لصيرورتهم حربيين . قالوا : وحديث ابن عمر إسناده ضعيف ، وجاز أن يكون قد شرط عليهم أن لا يظهروا سبه صلى الله عليه وسلم . والذي عندي أن سبه صلى الله عليه وسلم أو نسبة ما لا ينبغي إلى الله تعالى إن كان مما لا يعتقدونه كنسبة الولد إلى الله تعالى وتقدس عن ذلك إذا أظهره يقتل به وينتقض عهده ، وإن لم يظهر ولكن عثر عليه وهو يكتمه فلا .

وهذا ; لأن دفع القتل والقتال عنهم بقبول الجزية الذي هو المراد بالإعطاء مقيد بكونهم صاغرين أذلاء بالنص ، ولا خلاف أن المراد استمرار ذلك لا عند مجرد القبول وإظهار ذلك منه ينافي قيد قبول الجزية دافعا لقتله ; لأنه الغاية في التمرد وعدم الالتفات والاستخفاف بالإسلام والمسلمين فلا يكون جاريا على العقد الذي يدفع عنه القتل ، وهو أن يكون صاغرا ذليلا . وأما اليهود المذكورون في حديث عائشة فلم يكونوا أهل ذمة بمعنى إعطائهم الجزية ، بل كانوا أصحاب موادعة بلا مال يؤخذ منهم دفعا لشرهم إلى أن أمكن الله منهم ; لأنه لم توضع جزية قط على اليهود المجاورين من قريظة والنضير . وهذا البحث منا يوجب أنه إذا استعلى على [ ص: 63 ] المسلمين على وجه صار متمردا عليهم حل للإمام قتله أو يرجع إلى الذل والصغار ( قوله : ولا ينتقض عهده إلا أن يلحق بدار الحرب أو يغلبوا ) أي أهل الذمة ( على موضع ) قرية أو حصن ( فيحاربوننا ; لأنهم ) بكل من الخصلتين ( صاروا حربا علينا ) وعقد الذمة ما كان إلا لدفع شر حرابتهم ( فيعرى عن الفائدة ) فلا يبقى .




الخدمات العلمية