الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله ) ; لأن فيه معنى المؤنة فيعتبر مؤنة في حالة البقاء فأمكن إبقاؤه على المسلم ( ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي ويؤخذ منه الخراج لما قلنا ) ، وقد صح أن الصحابة اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها ، [ ص: 41 ] فدل على جواز الشراء وأخذ الخراج وأدائه للمسلم من غير كراهة ( ولا عشر في الخارج من أرض الخراج ) وقال الشافعي : يجمع بينهما ; لأنهما حقان مختلفان وجبا في محلين بسببين مختلفين فلا يتنافيان . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم } ، [ ص: 42 ] ولأن أحدا من أئمة العدل والجور لم يجمع بينهما ، وكفى بإجماعهم حجة ; ولأن الخراج يجب في أرض فتحت عنوة قهرا ، والعشر في أرض أسلم أهلها طوعا ، والوصفان لا يجتمعان في أرض واحدة ، وسبب الحقين واحد وهو الأرض النامية إلا أنه يعتبر في العشر تحقيقا وفي الخراج تقديرا ، ولهذا يضافان إلى الأرض ، [ ص: 43 ] وعلى هذا الخلاف الزكاة مع أحدهما .

التالي السابق


( قوله : ومن أسلم من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله ) وعند مالك والشافعي يسقط عنه الخراج ، وكذا لو باعها من مسلم يجوز البيع عندنا خلافا لمالك في رواية ، وعلى رواية الجواز يسقط الخراج لما فيه من معنى الذل والصغار وهو غير لائق بالمسلم . وقوله : ( لما قلنا ) من أن فيه المؤنة ، والمسلم من أهل المؤنة كالعشر ، والأرض لا تخلو منها ، فإبقاء ما تقرر واجبا أولى ; ولأن وضع عمر رضي الله عنه بموافقة جماعة من الصحابة ما كان إلا ليجد الذين يجيئون من المسلمين بعد أهل الفتح ما يسد حاجتهم ، وفتح هذا الباب يؤدي إلى فوات هذا المقصود ، فإن الإسلام غير بعيد بعد مخالطة المسلمين ومعرفة محاسنه أو تقية من الكلفة وتجشم المشاق في الزراعة ثم دفع نحو النصف للغير .

قال المصنف : ( وقد صح أن الصحابة اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها ) قال البيهقي : قال أبو يوسف : القول ما قال أبو حنيفة أنه كان لابن مسعود وخباب بن الأرت والحسين بن علي ولشريح أرض الخراج فدل على انتفاء كراهة تملكها . حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر عن عتبة بن فرقد السلمي أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني اشتريت أرضا من أرض السواد ، فقال : عمر : أنت فيها مثل صاحبها . قال البيهقي : وأخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا حسن بن صالح عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال : أسلمت امرأة من أهل نهر الملك ، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن اختارت أرضها ، وأدت ما على أرضها من الخراج فخلوا بينها وبين أرضها ، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم .

وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة : حدثنا الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن دهقانة من أرض نهر الملك أسلمت ، فقال عمر : ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها الخراج .

وقال ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما : حدثنا هشيم بن بشير عن شيبان بن الحكم عن زبير بن عدي أن دهقانا أسلم على عهد علي رضي الله عنه [ ص: 41 ] فقال علي : إن أقمت في أرضك رفعنا عنك الخراج عن رأسك ، وأخذناها من أرضك ، وإن تحولت عنها فنحن أحق بها .

وقال ابن أبي شيبة : حدثنا حفص بن غياث عن محمد بن قيس عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي عن عمر وعلي قالا : إذا أسلم وله أرض وضعنا عنه الجزية ، وأخذنا خراجها . قال المصنف ( فدل على جواز الشراء ، وأخذ الخراج ، وأدائه للمسلم من غير كراهة ) وصرح في كافي الحاكم بنفي الكراهة . قيل : ولو قال من المسلم كان أولى ، وهو بناء على تعليقه بلفظ أخذ وهو غير مقصود ، فإن الأخذ يقوم بالإمام ، وليس المقصود إفادة أنه هل يكره للإمام أخذ الخراج من المسلم ، بل المقصود إفادة حكم شراء المسلم الأرض الخراجية وتعرضه بذلك للأخذ منه ، هل يكره له ذلك أو لا ؟ فيجب لفظ للمسلم ليتعلق بالشراء في قوله فدل على جواز الشراء للمسلم وعدم الكراهة ، لا كما يقول بعض المتقشفة رحمه الله عليهم ورحمنا بهم من كراهة ذلك ; لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام رأى شيئا من آلات الحراثة فقال : ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا } ظنا منهم أن الذل بالتزام الخراج ، وليس كذلك ، بل المراد أن المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة واتبعوا أذناب البقر قعدوا عن الغزو فكر عليهم عدوهم فجعلوهم أذلة لا ما ذكروه ، إذ لا شك في أنه يجوز للمسلم التزام ما لا يجب عليه ابتداء ; ألا ترى أنه لو تكفل بجزية ذمي جاز بلا كراهة ( قوله : ولا عشر في الخارج من أرض الخراج . وقال الشافعي )

ومالك وأحمد ( يجمع بينهما ; لأنهما حقان مختلفان ) ذاتا ، فإن العشر مؤنة فيها معنى العبادة والخراج مؤنة فيها معنى العقوبة ، ومحلا فإن العشر في الخارج ، والخراج في الذمة ، وسببا ; لأن سبب العشر الأرض النامية بالخارج تحقيقا ، وسبب الخراج الأرض النامية به تقديرا ومصرفا ، فمصرف العشر الفقراء ، ومصرف الخراج المقاتلة وقد تحقق سبب كل منهما ، ولا منافاة بين الحقين فيجبان كوجوب الدين مع العشر والخراج .

قال المصنف ( ولنا قوله : عليه الصلاة والسلام { لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم } ) وهو حديث ضعيف ذكره ابن عدي في الكامل عن يحيى بن عنبسة : حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يجتمع على مسلم خراج وعشر } [ ص: 42 ] ويحيى بن عنبسة مضعف إلى غاية حتى نسب إلى الوضع ، وإلى الكذب على أبي حنيفة ، وإنما رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم فجاء يحيى وصله . نعم إنما روي عن التابعين مثل النخعي والشعبي وعكرمة كما ذكرناه .

ورواه ابن أبي شيبة عن الشعبي : حدثنا إبراهيم بن المغيرة ختن لعبد الله بن المبارك عن حمزة السلولي عن الشعبي قال : " لا يجتمع عشر وخراج في أرض " . وقال : حدثنا أبو نميلة ، حدثنا يحيى بن واضح عن أبي المنيب عن عكرمة قال : " لا يجتمع عشر وخراج في مال " . وحاصل هذا كما ترى ليس إلا نقل مذهب بعض التابعين ولم يرفعوه فيكون حديثا مرسلا . وقد نقل ابن المبارك الجمع بينهما مذهبا لجماعة آخرين فهذا نقل المذاهب لا استدلال .

وأما قوله : ( ولأن أحدا من الأئمة إلى آخره ) فقد منع بنقل ابن المنذر الجمع في الأخذ عن عمر بن عبد العزيز فلم يتم ، وعدم الأخذ من غيره جاز كونه لتفويض الدفع إلى المالك فلم يتعين قول صحابي بعدم الجمع ليحتج به من يحتج بقولهم على أن فعل عمر بن عبد العزيز يقتضي أن ليس عمر رضي الله عنه على منع الجمع ; لأنه كان متبعا له مقتفيا لآثاره ، وما ذكرناه عنه فيما تقدم من كتبه في جواب السائل في مسألة خمس الجزية والخراج إذا رجعت إليه يفيدك ذلك ، ثم المصنف منع تعدد السبب وجعل السبب فيها معا الأرض ، ولا مانع أن يتعلق بالسبب الواحد ، وهو الأرض هنا وظيفتان مع أن العمومات تقتضيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام { ما سقت السماء ففيه العشر } فإنه يقتضي أن يؤخذ مع الخراج إن كان ; ولأن تعدد الحكم واتحاده بتعدد السبب واتحاده ، وسبب كل من الخراج والعشر الأرض النامية . ( إلا أنه يعتبر النماء في العشر تحقيقا ) ; لأنه اسم إضافي فما لم يتحقق خارج لا يتحقق عشره ( وفي الخراج تقديرا ، ولهذا يضافان إليها ) فيقال خراج الأرض وعشر الأرض والإضافة دليل السببية ، وكون الأرض مع النماء التقديري غير الأرض مع التحقيقي مخالفة اعتبارية لا حقيقية ، فالأرض النامية هي السبب ، وإذا اتحد السبب اتحد الحكم وصار كزكاة التجارة والسائمة ، فإن السبب واحد بالذات وهو الغنم مثلا ، وهو مع ذلك لا يقال : الغنم مع السوم غيرها مع قصد التجارة فيجب كل منهما لتعدد السبب .

وأما قوله ( ولأن الخراج يجب في الأرض إذا فتحت عنوة وقهرا ، والعشر في الأرض إذا أسلم أهلها ) عليها ، ولازم الأول الكره ولازم الثاني الطوع وهما متنافيان فلا يجتمعان ، فمعلوم أن بعض صور الخراج يكون مع الفتح عنوة ، وهو ما إذا أقر أهلها عليها ، وكذا بعض صور العشر وهو ما إذا فتحها عنوة وقسمها بين الغانمين ، كما أن بعض صور الخراج لا يكون مع العنوة والقهر بل للصلح ، أو بأن أحياها وسقاها بماء الأنهار الصغار ، أو كانت قريبة من أرض الخراج على الخلاف ، ومع ذلك فالذي يغلب على الظن أن الراشدين من عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم لم يأخذوا عشرا من أرض الخراج ، وإلا لنقل كما نقل تفاصيل أخذهم الخراج بهذا تقضي العادة ، وكونهم فوضوا الدفع إلى الملاك في غاية البعد ، أرأيت إذا كان العشر وظيفة في الأرض التي وظف فيها الخراج على أهل الكفر هل يقرب أن يتولوا أخذ وظيفة ويكلوا الأخرى إليهم ليس لهذا معنى ، وكيف وهم كفار لا يؤمنون على أدائه من طيب أنفسهم ، وإذا كان الظن عدم أخذ الثلاثة صح دليلا بفعل الصحابة خصوصا الخلفاء الراشدين ويكون إجماعا . [ ص: 43 ] وذكر الإسبيجابي : لا يجتمع الأجر والضمان عندنا والعقر والحد والجلد والنفي ، وكذا الرجم مع الجلد ، وزكاة التجارة مع صدقة الفطر . والشافعي يوافق في الجلد مع الرجم وما سواه يجمع .

( وكذا الزكاة مع أحدهما ) أي العشر والخراج خلافا للشافعي . وصورته إذا اشترى أرض عشر أو خراج بقصد التجارة عليه العشر أو الخراج وليس عليه زكاة التجارة عندنا ، وإنما لم يعكس ; لأن العشر والخراج ألزم للأرض ، بخلاف الزكاة فإنه يشترط فيها ما لا يشترط فيهما




الخدمات العلمية