الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 193 ] قال ( وإذا اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستقي عليها الماء فالكسب بينهما لم تصح الشركة ، والكسب كله للذي استقى ، وعليه أجر مثل الراوية إن كان العامل صاحب البغل ، وإن كان صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل ) [ ص: 194 ] أما فساد الشركة فلانعقادها على إحراز المباح وهو الماء ، وأما وجوب الأجر فلأن المباح إذا صار ملكا للمحرز وهو المستقي ، وقد استوفى منافع ملك الغير وهو البغل أو الراوية بعقد فاسد فيلزمه أجره

التالي السابق


( قوله وإذا اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستقي عليها الماء وما تحصل بينهما لم تصح الشركة ) اعلم أن الراوية في الأصل هو الجمل الذي يحمل عليه الماء سمي به ; لأنه يرويه ، ويقال رويت للقوم : إذا سقيت لهم ، وكثر ذلك حتى قيل للمزادة وهي الجلود الثلاثة المصنوعة لنقل الماء ، فعلى الأول أن يكون لهذا جمل وللآخر بغل فاشتركا على أن كلا يؤجر ما لكل واحد فما رزقا فهو بينهما ، وذلك باطل ; لأن حاصل معنى هذا أن كلا قال لصاحبه بع منافع دابتك ليكون ثمنه بيننا ومنافع دابتي على أن ثمنه بيننا ، ولو صرحا بهذا كانت الشركة فاسدة ثم إن أجراهما بأجر معلوم صفقة واحدة في عمل معلوم قسم الأجر على مثل أجر البغل ومثل أجر الجمل ; لأن الشركة لما فسدت والإجارة صحيحة لانعقادها على منافع معلومة ببدل معلوم كان الأجر مقسوما بينهما ، كذلك كما يقسم الثمن على قيمة المبيعين المختلفين ، بخلاف ما لو اشتركا على أن يتقبلا الحمولات المعلومة بأجرة معلومة ولم يؤاجر البغل والجمل كانت صحيحة لأنها شركة التقبل والأجر بينهما نصفان ، ولا يعتبر زيادة حمل الجمل على حمل البغل كما لا يعتبر في شركة التقبل زيادة عمل أحدهما كصباغين لأحدهما آلة الصبغ وللآخر بيت يعمل فيه اشتركا على تقبل الأعمال ليعملا بتلك الآلة في ذلك البيت .

وإن أجر البعير أو البغل بعينه كان كل الأجر لصاحبه ; لأنه هو العاقد ، فلو أعانه الآخر على التحميل والنقل كان له أجر مثله لا يجاوز نصف الأجر على قول أبي يوسف ، [ ص: 194 ] وبالغا ما بلغ على قول محمد ، وكذا لو دفع دابته إلى رجل ليؤاجرها وما أطعم الله تعالى بينهما نصفان كان الأجر كله لمالك الدابة ، وكذا في السفينة والبيت لما بينا ، إذ تقديره أنه قال بع منافع دابتي ليكون الأجر بيننا ، ثم الأجر كله لصاحب الدابة ; لأن العاقد عقد العقد على ملك صاحب الدابة بأمره ، وللعاقد أجر مثله ; لأنه لم يرض أن يعمل مجانا ، بخلاف ما لو دفع إليه دابة ليبيع عليها طعاما للمدفوع إليه على أن الربح بينهما نصفان فإن الشركة فاسدة والربح لصاحب الطعام ولصاحب الدابة أجر مثلها ; لأن العامل استوفى منافع الدابة بعقد فاسد فكان عليه أجر مثلها ، والربح للعامل وهو صاحب الطعام ; لأنه كسب ماله .

وعلى الثاني أن يكون لهذا بغل وللآخر مزادة فاشتركا على أن يستقيا الماء فيها على البغل فالشركة فاسدة ، وهو ظاهر قول الشافعي ، وبه قال أحمد ، والأجر كله للذي استقى ، وعليه أجر مثل المزادة إن كان صاحب البغل ، وأجر مثل البغل إن كان صاحب المزادة . وجمع المزادة مزاد ومزايد .

( أما فساد الشركة فلانعقادها على إحراز المباح وهو ) نقل ( الماء ) ، وأما وجوب الأجر فلأن المباح قد صار ملكا للمحرز ، وهو المستقي وقد استوفى منافع ملك الغير بعقد فاسد فيلزمه أجر المثل




الخدمات العلمية