الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا دخل مسلمان دار الحرب بأمان فقتل أحدهما صاحبه عمدا أو خطأ فعلى القاتل الدية في ماله وعليه الكفارة في الخطإ ) أما الكفارة فلإطلاق الكتاب ، وأما الدية فلأن العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام لا تبطل بعارض الدخول بالأمان ، وإنما لا يجب القصاص ; لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة ، ولا منعة دون الإمام وجماعة المسلمين ، ولم يوجد ذلك في دار الحرب ، [ ص: 21 ] وإنما تجب الدية في ماله في العمد ; لأن العواقل لا تعقل العمد ; وفي الخطإ لأنه لا قدرة لهم على الصيانة مع تباين الدارين والوجوب عليهم على اعتبار تركها .

التالي السابق


( قوله : وإذا دخل مسلمان دار الحرب بأمان فقتل أحدهما صاحبه عمدا أو خطأ فعلى القاتل عمدا الدية في ماله ) ولا كفارة عليه ( وعلى القاتل خطأ الدية في ماله ) أيضا ( وعليه الكفارة ) هكذا في عامة النسخ من شروح الجامع الصغير بلا ذكر خلاف . وذكر قاضي خان في الجامع الصغير أن هذا قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : عليه القصاص في العمد كقول الشافعي ومالك وأحمد ; لأنه قتل شخصا معصوما بالإسلام عدوانا وظلما وذلك موجب للقصاص ، وكونه في دار الحرب لا أثر له في سقوط ذلك عند الله تعالى . ولأبي حنيفة أنه مكثر سوادهم من وجه ، ولو كثره من كل وجه بأن كان متوطنا هناك لا يكون معصوما ، فإذا كان مكثرا من وجه تمكنت الشبهة في قيام العصمة فلا يجب القصاص .

وذكر شمس الأئمة القصاص في العمد عن أبي يوسف من رواية الإملاء ; لأن المسلم حيث كان هو من أهل دار الإسلام لا ينتقض إحرازه نفسه بذلك ، والقصاص حق للولي ينفرد باستيفائه من غير حاجة إلى ولاية الإمام ، ووجه الظاهر يندرج فيما سنذكر .

قال المصنف : ( أما الكفارة ) يعني في الخطإ ( فلإطلاق الكتاب ) يعني قوله تعالى { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة } ( و ) وجوب الدية ( لأن العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام لا تبطل بعارض الدخول ) إلى دار الحرب ( بالأمان ، وإنما لا يجب القصاص ) في العمد ( لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة ، ولا منعة دون الإمام وجماعة المسلمين ، ولم يوجد ذلك في دار الحرب ) فلا فائدة في الوجوب . وإذا سقط القصاص وجبت الدية ; لأنه بسقوطه بعارض مقارن للقتل ينقلب كقتل الرجل ابنه ، ولا يخفى أن المراد أنه ليس على الإمام إقامته إذا طلب الولي تمكينه [ ص: 21 ] منه ، ولا يحل لولي المقتول قتل القاتل إذا قدر عليه ; لأن القتل لم ينعقد سببا موجبا للقصاص وهو مشكل ; لأن كون الولاية قاصرة وقت السبب لا تمنع من القضاء عند الطلب إذا كانت ثابتة عنده ، كما لو رفع إلى قاض مطالبة بثمن مبيع صدر البيع فيه قبل ولاية القاضي فإن ولايته منعدمة عند السبب ، وعليه أن يقضي بالثمن عند المرافعة ; لأن العصمة المؤثمة بالإسلام قائمة ، والقتل العمد العدوان ثابت وهو السبب ، والمانع وهو استيفاء الإمام منتف لما ذكر عن أبي يوسف أن الإقامة ينفرد بها الولي فمنعه منه خلاف الدليل .

فالأقرب ما تقدم من ثبوت الشبهة المسقطة للقصاص بتكثير سوادهم من وجه على ما فيه ، إذ نمنع كون ذلك شبهة توجب السقوط ، أو أن دار الحرب دار إباحة فالكون فيها شبهة دارئة . وقد يقال : إن قلتم إنها دار إباحة للقتل مطلقا فممنوع أو قتل الكافر فيه فلا يفيد . ويجاب بأن كونها دار إباحة له في الجملة كاف ; ألا ترى أن من قتل رجلا قال له اقتلني لا قصاص عليه ، مع أن إباحة الشرع قتله لم تحصل بقوله ذلك بل إباحة من جهته وقد جعل ذلك مانعا إلا أن نمنع عدم القصاص في قوله اقتلني . فإن قيل : ما ذكرتم مخالف لإطلاق قوله تعالى { كتب عليكم القصاص } و { النفس بالنفس } ، فالجواب أنه عام مخصوص بالقتل خطأ ، فإنه قتل وليس يجب فيه قصاص ، ونحو ذلك فجاز تخصيصه بالمعنى أيضا . قال : ( وإنما تجب الدية في ماله في العمد ; لأن العواقل لا تعقل العمد ، وفي الخطأ ) إنما تجب أيضا في ماله ; لأن وجوبها على العاقلة بتركهم وتقصيرهم في حفظ القاتل ومنعه من ذلك ، ولا تقصير منهم في ذلك إذا كان في دار الحرب .




الخدمات العلمية