الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 102 ] ( ولا يبدأ بقتال حتى يبدءوه ، فإن بدءوه قاتلهم حتى يفرق جمعهم ) قال العبد الضعيف : هكذا ذكره القدوري في مختصره . وذكر الإمام المعروف بخواهر زاده أن عندنا يجوز أن يبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا . وقال الشافعي : لا يجوز حتى يبدءوا بالقتال حقيقة ; لأنه لا يجوز قتل المسلم إلا دفعا وهم مسلمون ، بخلاف الكافر ; لأن نفس الكفر مبيح عنده . ولنا أن الحكم يدار على الدليل وهو الاجتماع والامتناع ، وهذا ; لأنه لو انتظر الإمام حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم ، [ ص: 103 ] وإذا بلغه أنهم يشترون السلاح ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة دفعا للشر بقدر الإمكان . والمروي عن أبي حنيفة من لزوم البيت محمول على حال عدم الإمام ، أما إعانة الإمام الحق فمن الواجب عند الغناء والقدرة .

التالي السابق


( قوله : ولا يبدأ بقتال حتى يبدءوه هكذا ذكره القدوري ) وهو عين ما قدمناه من قول علي رضي الله عنه ، ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا ( وذكر الإمام الأجل المعروف بخواهر زاده أن عندنا يجوز أن نبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا ، وقال الشافعي : لا يجوز حتى يبدءوا حقيقة ) وهو قول مالك وأحمد وأكثر أهل العلم ( لأن قتل المسلم لا يجوز إلا دفعا وهم ) أي البغاة ( مسلمون ) رحمه الله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ثم قال { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } ( ونحن أدرنا الحكم وهو حل القتال على دليل قتالهم و ) ذلك ( هو الاجتماع ) على قصد القتال ( والامتناع ; لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع ) لتقوى شوكتهم وتكثر جمعهم خصوصا والفتنة يسرع إليها أهل الفساد وهم الأكثر ، والكفر ما أباح القتال إلا للحرابة والبغاة كذلك ، ويجب على كل من أطاق الدفع أن يقاتل مع الإمام إلا إن أبدوا ما يجوز لهم القتال كأن ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه ، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره ، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه ظلم مثل [ ص: 103 ] تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه ، ويجوز قتالهم بكل ما يقاتل به أهل الحرب من المنجنيق وإرسال الماء والنار .

وخواهر زاده معناه ابن الأخت ، وكان ابن أخت القاضي الإمام أبي ثابت قاضي سمرقند واسم خواهر زاده محمد ، وكنيته أبو بكر ، واسم أبيه حسين النجاري وهو معاصر لشمس الأئمة السرخسي وموافق له في اسمه وكنيته ; لأن شمس الأئمة اسمه محمد وكنيته أبو بكر بن أبي سهل ، وتوفي كل منهما في العام الذي توفي فيه الآخر وهو عام ثمان وثمانين وأربعمائة . وفخر الإسلام أيضا معاصر لهما وتوفي في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ( فإذا بلغه أنهم يشترون السلاح ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة دفعا للشر بقدر الإمكان . والمروي عن أبي حنيفة رحمه الله )

من قوله : الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته لقوله صلى الله عليه وسلم { من فر من الفتنة أعتق الله رقبته من النار } وقال لواحد من الصحابة : { كن حلسا من أحلاس بيتك } رواه عنه الحسن بن زياد ( فمحمول على ما إذا لم يكن لهم إمام ) وما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قعدوا في الفتنة محمول على أنه لم يكن لهم قدرة ولا غناء ، وربما كان بعضهم في تردد من حل القتال .

كما روي عن بعضهم أنه أتى عليا رضي الله عنه يطلب عطاءه من بيت المال فمنعه علي رضي الله عنه وقال له : أين كنت يوم صفين ؟ فقال : ابغني سيفا أعرف به الحق من الباطل ، فقال له : ما قال الله هذا ، وإنما قال { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } وما روي { إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار } فمحمول على اقتتالهما حمية وعصبية كما يتفق بين أهل قريتين ومحلتين أو لأجل الدنيا والمملكة . قال الذهبي : صح عن أبي وائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال : رأيت كأن قبابا في رياض ، فقلت لمن هذه ؟ فقالوا لذي الكلاع وأصحابه ، ورأيت قبابا في رياض فقلت لمن هذه ؟ فقيل : لعمار بن ياسر وأصحابه ، قلت : وكيف وقد قتل بعضهم بعضا ، قال : إنهم وجدوا الله واسع المغفرة انتهى . وهذا ; لأن قتالهم عن اجتهاد .




الخدمات العلمية