الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 378 ] ( قال : ومن اشترى عبدا فقبضه فادعى عيبا لم يجبر على دفع الثمن حتى يحلف البائع أو يقيم المشتري بينة ) [ ص: 379 ] لأنه أنكر وجوب دفع الثمن حيث أنكر تعين حقه بدعوى العيب ، ودفع الثمن أولا ليتعين حقه بإزاء تعين المبيع ; ولأنه لو قضي بالدفع فلعله يظهر العيب فينتقض القضاء فلا يقضي به صونا لقضائه ( فإن قال المشتري شهودي بالشام استحلف البائع ودفع الثمن ) يعني إذا حلف ولا ينتظر حضور الشهود ; لأن في الانتظار ضررا بالبائع ، وليس في الدفع كثير ضرر به ; لأنه على حجته ، أما إذا نكل ألزم العيب ; لأنه حجة فيه . .

التالي السابق


( قوله ومن اشترى عبدا وقبضه فادعى عيبا لم يجبر على دفع الثمن حتى يحلف البائع أو يقيم المشتري بينة ) على البائع أن العيب كان عنده ومقتضى هذا التركيب أنه إذا أقام هذه البينة يجبر على دفع الثمن وهو فاسد ، فقدر ظهير الدين للثاني خبرا هكذا لم يجبر على دفع الثمن حتى يحلف البائع أو يقيم البينة على البائع أن العيب كان عنده فيستمر عدم الجبر انتهى .

ولا بد من تقدير آخر مع يحلف ; لأن معناه ليس معنى يحلف البائع بل معناه يطلب منه الحلف ، وليس يلزم من طلب الحلف منه الجبر على دفع الثمن ، بل إذا حلف ، وهو غير لازم لجواز أن ينكل فيستمر عدم الجبر فعدم الجبر يثبت مع إحدى صورتي التحليف كما يثبت مع إقامة البينة ، وقيل يقدر فعل عام يدخل تحته الغايتان : أعني الحلف وإقامة البينة هكذا لم يجبر على دفع الثمن حتى يظهر وجه الحكم [ ص: 379 ] به أو بعدمه بأن يحلف فيحلف أو يقيم البينة ، ومنهم من أول لا يجبر بينتظر بدفع الثمن ، وإنما قلنا إنه لا يجبر على دفع الثمن إذا طالبه البائع به فادعى هو عيبا .

( لأنه أنكر وجوب الثمن بدعوى العيب فإنه به أنكر تعين حقه ) ; لأن حقه في السليم ولم يقبضه فما قبضه ليس موجبا دفع الثمن عليه ( و ) وجوب ( دفع الثمن أولا ليتعين حق البائع بإزاء تعين ) حق المشتري في ( المبيع ) ولم يتعين ; لأنه السليم وقد أنكره ، وأورد عليه أن الموجب للجبر قائم والمانع وهو قيام العيب موهوم فلا يعارض المتحقق ، فالجواب منع قيام الموجب ; لأنه البيع للسليم أو هو مع قبضه وهو ينكره فهو محل النزاع .

وأيضا فقد يثبت ما ادعاه فيؤدي إلى نقض القضاء بدفع الثمن وصيانة القضاء عن النقض ينبغي ما أمكن ( فلو أن المشتري قال شهودي بالشام ) مثلا فأمهلني حتى أحضرهم أو آتيك بكتاب حكمي من قاضي الشام لا يسمع ذلك بل ( يستحلف البائع ) ويقضى ( بدفع الثمن إن حلف ) وإن نكل رد المبيع ، وإنما قلنا هذا ( لأن في الانتظار بالبائع كبير إضرار ) ; لأن التأخير إلى غاية غير معلومة يجري مجرى الإبطال خصوصا بعد قبض مال البائع على وجه المعاوضة ، وليس في الدفع كبير إضرار بالمشتري ( لأنه على حجته ) إذ له أن يقيم البينة بعد حلفه [ ص: 380 ] على العيب ويرد المبيع ويسترد الثمن ، بخلاف ما لو قال : شهودي حضور فإن الإمهال هنا إلى المجلس الثاني ، ولا ضرر في هذا القدر على البائع فيمهل ، ولو قال أحضر بينتي إلى ثلاثة أيام أجلها ، وليس هذا مما ينفذ فيه القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة ; لأن ذلك في العقود والفسوخ ، ولم يتناكرا العقد بل حقيقة الدعوى هنا دعوى مال على تقدير ، فالقضاء هنا بدفع الثمن إلى غاية حضور الشهود بالمسقط ، وهذا صريح في قبول البينة بعد الحلف ولا خلاف فيه في مثله : أعني ما إذا قال : لي بينة غائبة أو قال : ليس لي بينة حاضرة ثم أتى ببينة تقبل .

وأما إذا قال : لا بينة لي فحلف خصمه ثم أتى ببينة ، في أدب القاضي تقبل في قول أبي حنيفة ، وعند محمد لا تقبل ، ولا يحفظ في هذا رواية عن أبي يوسف ، وفي الخلاصة من رواية الحسن عن أبي حنيفة تقبل ، وفي جمع النسفي في قبول البينة عن أصحابنا روايتان : نعم تحليف البائع في مسألة الكتاب يخالف ما في روضة القضاة إذا قال بينتي غائبة لم يحلف عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يحلف ، وكذا لو قال لي بينة حاضرة في المصر فأحلفه ثم أتى بها لا يحلف في قوله خلافا لأبي يوسف وقوله ( أما إذا نكل ألزم العيب ; لأنه ) يعني النكول ( حجة فيه ) أي في ثبوت العيب ; وقيد به ; لأن النكول ليس حجة في كل شيء إذ ليس حجة في الحدود والقصاص بالإجماع ولا في الأشياء الستة عند أبي حنيفة .




الخدمات العلمية