الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 335 ] ( باب خيار الرؤية )

قال ( ومن اشترى شيئا لم يره فالبيع جائز ، وله الخيار إذا رآه ، إن شاء أخذه ) بجميع الثمن ( وإن شاء رده ) [ ص: 336 ] وقال الشافعي : لا يصح العقد أصلا ; لأن المبيع مجهول . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه } ; ولأن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي إلى المنازعة ، لأنه لو لم يوافقه يرده ، [ ص: 337 ] فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه .

التالي السابق


( باب خيار الرؤية )

قدمه على خيار العيب ; لأنه يمنع تمام الحكم وذلك يمنع لزوم الحكم واللزوم بعد التمام ، والإضافة من قبيل إضافة الشيء إلى شرطه ; لأن الرؤية شرط ثبوت الخيار ، وعدم الرؤية هو السبب لثبوت الخيار عند الرؤية ( قوله ومن اشترى شيئا لم يره فالبيع جائز ، وله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء رده ) سواء رآه على الصفة التي وصفت له أو على خلافها ، مثل أن يشتري جرابا فيه أثواب هروية أو زيتا في زق ، أو حنطة في غرارة من غير أن يرى شيئا ، ومنه أن يقول بعتك درة في كمي صفتها كذا أو ثوبا في كمي صفته كذا أو هذه الجارية وهي حاضرة منتقبة فله الخيار إذا رأى شيئا من ذلك .

وفي المبسوط : الإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز حتى لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لا يجوز بالإجماع انتهى . لكن إطلاق الكتاب يقتضي جواز البيع سواء سمى جنس المبيع أو لا ، وسواء أشار إلى مكانه أو إليه وهو حاضر مستور أو لا ، مثل أن يقول بعت منك ما في كمي ، بل عامة المشايخ قالوا : إطلاق الجواب يدل على الجواز عنده . وطائفة قالوا : لا يجوز لجهالة المبيع من كل وجه ، والظاهر أن المراد بالإطلاق ما ذكره شمس الأئمة وغيره كصاحب الأسرار والذخيرة لبعد القول بجواز ما لم يعلم جنسه أصلا [ ص: 336 ] كأن يقول بعتك شيئا بعشرة .

وقول المصنف ( وقال الشافعي : لا يجوز العقد أصلا ) هو فيما لم يسم جنسه قولا واحدا أنه لا يجوز ، وأما فيما سمى جنسه وصفته على ما نقل في شرح الوجيز والحلية أنه يجوز على قوله القديم وعلى قوله الجديد لا يجوز .

وعن مالك وأحمد مثل قولنا ، واختاره كثير من أصحاب الشافعية منهم القفال ، وهو قول عثمان بن عفان وطلحة رضي الله عنهما . وذكر المصنف في وجه قوله أن المبيع مجهول مقتصرا عليه : يعني وكل ما كان كذلك لا يجوز بيعه لنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر ، ونهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان ، وما ذلك إلا للجهالة .

قلنا : أما النهي عن بيع ما ليس عندك فالمراد منه ما ليس في الملك اتفاقا لا ما ليس في حضرتك ، ونحن شرطنا في هذا البيع كون المبيع مملوكا للبائع فقضينا عهدته ، وأما بيع الغرر فلفظه يفيد أنه غيره ، وذلك ليس إلا بأن يظهر له ما ليس في الواقع فيبنى عليه فيكون مغرورا بذلك فيظهر له خلافه فيتضرر به وكيف كان فلا شك بعد القطع ، ونحن نقطع بأن النهي عن ذلك ما يلزم الضرر فيه ، ونقطع بأن لا ضرر فيما أجزنا من ذلك إنما يلزم الضرر لو لم يثبت له الخيار إذا رآه .

فأما إذا أوجبنا له الخيار إذا رآه فلا ضرر فيه أصلا بل فيه محض مصلحة وهو إدراك حاجة كل من البائع والمشتري ، فإنه لو كان له به حاجة وهو غائب وأوقفت جواز البيع على حضوره ورؤيته ربما تفوت بأن يذهب فيساومه فيه آخر رآه فيشتريه منه فكان في شرع هذا البيع على الوجه الذي ذكرنا من إثبات الخيار عند رؤيته محض مصلحة لكل من العاقدين غير لحوق شيء من الضرر فأنى يتناوله النهي عن بيع الغرر والأحكام لم تشرع إلا لمصالح العباد قطعا فكان مشروعا قطعا ، فوجب أن يحمل الحديث على البيع البات الذي لا خيار فيه ; لأنه هو الذي يوجب ضرر المشتري ، والنهي قطعا ليس إلا لذلك ، فظهر أن كلا من الحديثين لم ينف ما أجزناه فكان نفيه قولا بلا دليل ، وكفانا في إثباته المعنى ، وهو أنه مال مقدور التسليم لا ضرر في بيعه على الوجه المذكور فكان جائزا ، ويبقى الحديث الذي ذكره المصنف زيادة في الخبر ، وهو ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي مرسلا .

حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن مكحول رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 337 ] { من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه ، إن شاء أخذه وإن شاء تركه } والمرسل حجة عند أكثر أهل العلم ، وتضعيف ابن أبي مريم بجهالة عدالته لا ينفي علم غير المضعفين بها .

وقد روى هذا الحديث أيضا الحسن البصري وسلمة بن المحبق وابن سيرين وهو رأي ابن سيرين أيضا ، وعمل به مالك وأحمد ، وهو ممن نقل عنه تضعيف ابن أبي مريم ، فدل قبول العلماء على ثبوته .

والحق أن عمل من ضعف ابن أبي مريم على وفق حديثه ينبني على أن العمل على وفق الحديث هل هو تصحيح له ، وهي مسألة مختلفة بين الأصوليين ، والمختار لا ، ما لم يعلم أن عمله عن الحديث ، وقد روي الحديث أيضا مرفوعا ، رواه أبو حنيفة عن الهيثم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم { من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه } ورواه الدارقطني من طريق أبي حنيفة إلا أن في طريقه إلى أبي حنيفة عمر بن إبراهيم الكردي نسب إلى وضع الحديث .

هذا ولا بد من كون المراد في الحديث بالرؤية العلم بالمقصود فهو من عموم المجاز ، عبر بالرؤية عن العلم بالمقصود فصارت حقيقة الرؤية من أفراد المعنى المجازي ، وهذا لوجود مسائل اتفاقية لا يكتفى بالرؤية فيها .

مثل ما إذا كان المبيع مما يعرف بالشم كمسك اشتراه وهو يراه فإنه إنما يثبت الخيار له عند شمه فله الفسخ عند شمه بعد رؤيته ، وكذا لو رأى شيئا ثم اشتراه فوجده متغيرا ; لأن تلك الرؤية غير معرفة للمقصود الآن ، وكذا اشتراء الأعمى يثبت له الخيار عند الوصف له فأقيم فيه الوصف مقام الرؤية . وقول المصنف ( فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه ) يعني فيما لو اشترى ثوبا مشارا إليه لا يعلم عدد ذرعانه يريد تشبيهه بذلك في مجرد ثبوت الجواز لا بقيد ثبوت الخيار ; لأنه لا خيار في المشبه به ، أعني الثوب وهو بناء على لزوم ذكر الجنس في هذا البيع فيبقى الفائت مجرد علم الوصف ،




الخدمات العلمية