الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فيما يجب على القاضي بعد وصول الكتاب إليه .

                                                                                                                                            فإذا وصل كتاب القاضي على ما ذكرناه ووصفناه من شروطه وأحكامه وجب على القاضي المكاتب إحضار الخصم المطلوب ومسألته عما تضمنه كتاب القاضي من الحكم عليه .

                                                                                                                                            وله في الجواب عنه ستة أحوال :

                                                                                                                                            إحداها : أن يقر بوجوب الحق عليه لطالبه فيحكم عليه بإقراره ، دون الكتاب ؛ لأن الإقرار أقوى من الكتاب .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يقر بوجوب الحق عليه لطالبه ، ويدعي أنه قد قضاه ، فإن أقام بينة بالقضاء سمعت منه وبرئ بها ، وإن عدمها وسأل إحلاف الطالب لم يكن له ؛ لأن القاضي الكاتب قد أحلفه .

                                                                                                                                            والحال الثالثة : أن يقر بوجوب الحق لغير هذا الطالب ، فإن كان الحق عينا قائمة ، بطل إقراره بها لغير هذا الطالب ، وكان الطالب المحكوم له بها أحق ، وإن كان الحق في الذمة صار مأخوذا بإقراره لغير الطالب ، ومأخوذا بالكتاب لحق هذا الطالب .

                                                                                                                                            والحال الرابعة : أن ينكر وجوب الحق عليه ، ويقر بأنه المسمى في الكتاب فيؤخذ بالحق وإن أنكره ، لثبوته عليه بكتاب القاضي - وكتاب القاضي أوكد من الشهادة : لأنه عن شهادة اقترن بها حكم ، وكتب القضاة حجة على المنكرين دون المقرين .

                                                                                                                                            والحال الخامسة : أن ينكر الحق ، وينكر أن يكون المسمى في الكتاب ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن ينكر الاسم المذكور ، ويدعي غيره من الأسماء فله فيه ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يعرف بما ادعاه من الأسماء ، فلا يلزمه الحكم حتى تقوم الشهادة عليه في عينه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يعرف بالأسماء المذكورة في الكتاب فيحكم عليه ولا يقبل ما ادعاه من الاسم .

                                                                                                                                            [ ص: 239 ] والثالث : أن يكون مجهول الحال فلا يحكم عليه إلا ببينة تشهد عليه بالاسم المذكور .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يعترف بالاسم ، ويذكر أنه اسم لغيره قد شاركه فيه ، وغيره هو المحكوم عليه ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يعلم اشتراك جماعة في الاسم المذكور ، وأقلهم أن يشاركه فيه واحد ، فلا يحكم عليه بالكتاب إلا ببينة تشهد عليه أنه هو المسمى فيه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن لا يعرف من يشاركه في ذلك الاسم والنسب فيؤخذ بالحق : لأنه المسمى في الظاهر ، ولا يقبل منه ما ادعاه من المشاركة في الاسم الذي لا يعرف لغيره .

                                                                                                                                            فإن أقام بينة بأن غيره يسمى بمثل اسمه ونسبه ، فهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يقيمها باسم حي موجود قد شاركه في اسمه ونسبه ، فتسمع بينته ، ولا يحكم عليه بالحق حتى يشهد الشهود عليه في عينه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يقيم البينة باسم ميت قد شاركه في اسمه ونسبه فلا يخلو حال الميت من أن يكون قد عاصر الحي أو لم يعاصره .

                                                                                                                                            فإن لم يعاصره ، لم يكن لهذه المشاركة في الاسم تأثير وكان الحي مأخوذا بالحق ، ومعينا فيه بالاسم .

                                                                                                                                            وإن كان قد عاصره الميت لم يخل موته من أن يكون قبل الحكم أو بعده .

                                                                                                                                            فإن كان موته بعد الحكم منعت هذه المشاركة من تعين الحكم على الحي لمشاركة الميت في الاسم ، فصار كما لو شارك فيه حيا حتى يشهد الشهود عليه بعينه . وإن كان موته قبل الحكم ففيه وجهان حكاهما أبو حامد الإسفرايني :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يثبت به حكم الاشتراك ويمنع من الحكم بالحق على الحي لاحتمال أن يكون الحق قد ثبت على الميت كثبوته على الحي .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه لا يثبت به حكم الاشتراك ويؤخذ الحي بالحق : لأن مطلق الأحكام متوجهة في الظاهر إلى الأحياء دون الأموات .

                                                                                                                                            والحال السادسة : أن لا ينكر الحق ، ويعترف بالاسم ، ويدعي جرح الشهود الذين شهدوا عليه بالحق ، فقد اختلف الفقهاء في سماع بينته على جرحهم .

                                                                                                                                            فحكى الشافعي في اختلاف العراقيين عن أبي حنيفة أنه لا تسمع بينته بجرحهم ويؤخذ بالحق : لأنه لا يعلم ما حدث بعده من توبة من تقدم جرحه .

                                                                                                                                            [ ص: 240 ] وحكي فيه عن ابن أبي ليلى أن بينته تسمع بجرحهم وفسقهم ، فإن أقامها سقطت شهادتهم وبطل الحكم لثبوت جرحهم ، فلم يؤخذ بالحق .

                                                                                                                                            ثم ذكر الشافعي مذهبه ؛ وهو أن ينظر فيما ذكره من جرحهم :

                                                                                                                                            فإن كان مما ترد به الشهادة مع العدالة بأن يدعي أنهم أعداؤه ، أو لهم فيما شهدوا به شرك ، أو بينهم وبين المشهود له ولادة تمنع من الشهادة . فهذا مانع من قبل شهادتهم ، وليس بجرح في عدالتهم ، فتسمع منه البينة بذلك ويبطل بهذا الحكم عليه .

                                                                                                                                            وإن جرحهم بالفسق ، وما تسقط به العدالة ، فلا تخلو بينة الجرح من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            إحداها : أن تشهد بفسق الشهود في وقت شهادتهم فتسمع بينته بهذا الجرح ؛ لأن بينة الجرح أولى من بينة التعديل ، وتسقط شهادتهم بهذا الجرح ويبطل به الحكم .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يشهدوا بفسق الشهود بعد الحكم بشهادتهم ، فلا تسمع بينته بهذا الجرح ؛ لأن حدوث الفسق بعد تقدم العدالة لا يمنع من صحة ما تقدم من الحكم بالشهادة ، ويؤخذ بالحق .

                                                                                                                                            والحال الثالثة : أن يشهدوا بفسق الشهود قبل سماع شهادتهم ، فيعتبر ما بين زمان الجرح والشهادة .

                                                                                                                                            فإن كان قريبا لا يتكامل صلاح الحال في مثله ، سمعت بينة الجرح ، وحكم بسقوط شهادتهم : إن تطاول ما بين زمان الجرح والشهادة لم تسمع بينة الجرح ، وحكم بشهادتهم ؛ لأن الحال يصلح مع تطاول الزمان ، ويرتفع الفسق بما حدث بعده من العدالة .

                                                                                                                                            فإن سأل مدعي الجرح إنظاره بإحضار البينة حتى يلتمسها أنظر بها ثلاثة أيام ، فإن أحضرها ، وإلا أخذ بالحق وأمضى عليه الحكم .

                                                                                                                                            فإن سأل إحلاف المحكوم له على عدالة شهوده ، لم تلزمه اليمين : لأن تعديل الشهود إلى الحاكم دون المحكوم له ، ولا مدخل لليمين فيه .

                                                                                                                                            ولو سأل إحلافه على أن لا ولادة بينه وبينهم ، ولا شركة ، وجب إحلافه على ذلك ، لاختصاصه بالمحكوم له دون الحاكم .

                                                                                                                                            ولو سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وبينهم ، فهذا مما يخفى عليه فلم يلزم إحلافه عليه .

                                                                                                                                            فإن سأل المحكوم عليه بعد استيفاء الحق منه الإشهاد له بقبض الحق منه ، وجب [ ص: 241 ] على القابض المطالب الإشهاد على نفسه ، وهل يجب إشهاد القاضي على نفسه ببراءته منه بقبض مستحقه ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي سعيد الإصطخري : يجب على القاضي الإشهاد كما يجب على القابض ، لما ظهر من ثبوت الحق عنده .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يجب عليه الإشهاد ويجب الإشهاد على القابض وحده لاختصاص إسجال الأحكام بإثبات الحقوق دون إسقاطها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية