الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7372 [ ص: 562 ] ص: واحتجوا في ذلك من الآثار: بما حدثنا سليمان بن شعيب ، قال: ثنا الخصيب بن ناصح ، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد: " : اكتب لي كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فكتبه لي في ورقة، ثم جاء بها وأخبرني أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ، وأخبرني أن النبي -عليه السلام- كتبه لجده عمرو بن حزم - رضي الله عنه - في ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فكان في ذلك: أنها إذا بلغت تسعين ففيها حقتان إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا كانت أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، فما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، فما كانت أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم، في كل خمس ذود شاة".

                                                7373 وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة ...ثم ذكر مثله.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من الآثار بما حدثنا... إلى آخره.

                                                وأخرجه من طريقين رجالهما ثقات.

                                                الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن الخصيب بن ناصح الحارثي ، عن حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد، وهو: قيس بن سعد أبو عبد الملك المكي، قال أحمد وأبو زرعة وابن سعد: ثقة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

                                                وأخرجه أبو داود في "المراسيل": ثنا موسى بن إسماعيل، قال حماد: قلت لقيس بن سعد: "خذ لي كتاب محمد بن عمرو، فأعطاني كتابا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن عمرو بن حزم، أن النبي -عليه السلام- كتب لجده يقرأ به، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل -فقص الحديث إلى أن بلغ- عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، ما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة، ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذوات عوار من الغنم".

                                                [ ص: 563 ] الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود وابن ماجه ، عن حماد بن سلمة .

                                                وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده": من حديث حماد ...نحوه.

                                                فإن قيل: قال ابن الجوزي: هذا الحديث مرسل، وقال هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري وابن المبارك وأبو أويس؛ كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه، عن جده: مثل قولنا.

                                                ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم، بقيت روايتان عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وهي في "الصحيح" وبها عمل الخلفاء الأربعة، وقال البيهقي: هذا حديث منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبي -عليه السلام-، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب لا عن سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة وإن كانا من الثقات؛ فروايتهما هذه تخالف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره.

                                                وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ويتجنبون ما ينفرد به، وخاصة عن قيس بن سعد وأمثاله.

                                                قلت: الأخذ من الكتاب حجة، صرح البيهقي نفسه في كتاب "المدخل": أن الحجة تقوم بالكتاب وإن كان السماع أولى منه بالقبول، والعجب من البيهقي أن يصرح بمثل هذا القول ثم ينفيه في الموضوع الذي تقوم عليه الحجة.

                                                وقوله: "وبها عمل الخلفاء الأربعة" غير مسلم؛ لأن ابن أبي شيبة روى في "مصنفه": عن يحيى ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي - رضي الله عنه - قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، يستقبل بها الفريضة"، وعن يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم مثله، فإن قلت قال البيهقي: قال الشافعي في كتابه القديم: راوي هذا مجهول عن علي - رضي الله عنه -، وأكثر الرواة عن ذلك المجهول، يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه وأن هذا ليس في حديثه.

                                                [ ص: 564 ] قلت: الذي رواه عن علي هو عاصم بن ضمرة كما ذكرنا، وهو ليس بمجهول، بل هو مشهور روى عنه الحكم وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، ووثقه ابن المديني والعجلي، واحتجت به الأربعة.

                                                وأن مراد الشافعي بقوله: "يزعم" أن الذي روى هذا عنه غلط عليه أبا إسحاق السبيعي، فلم يقل أحد غيره إنه غلط.

                                                وقد ذكر البيهقي وغيره عن يعقوب الفارسي وغيره من الأئمة أنهم أحالوا بالغلط على عاصم .

                                                وأما قول البيهقي: "وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخره عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما خالف فيه".

                                                فكلام صادر عن نفيسة وتمحل؛ لأنه لم ير أحد من أئمة هذا الشأن ذكر حمادا بشيء من ذلك، والعجيب منه أنه اقتصر فيه على هذا المقدار؛ لأنه ذكره في غير هذا الموضع بأسوأ منه.

                                                وقوله: "وخاصة عن قيس بن سعد" باطل؛ وما لقيس بن سعد؟! فإنه ثقة، وثقه كثيرون.




                                                الخدمات العلمية