الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7392 ص: ثم قد روي عن رسول الله -عليه السلام- في القرابة من غير هذا الوجه ما قد حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال: ثنا حميد ، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "لما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما [ ص: 202 ] تحبون قال: أو قال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا جاء أبو طلحة - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، حائطي الذي مكان كذا وكذا له تعالى، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال: اجعله في فقراء قرابتك أو فقراء أهلك".

                                                7393 حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا محمد بن عبد الله ، قال: حدثني أبي ، عن ثمامة، قال: قال أنس : - رضي الله عنه -: " كانت لأبي طلحة أرض، فجعلها لله -عز وجل- فأتى النبي -عليه السلام- فقال له: اجعلها في فقراء قرابتك، فجعلها لحسان 5 وأبي . - رضي الله عنهما -". قال أبي، عن ثمامة، ، عن أنس قال: "وكانا أقرب إليه مني". .

                                                فهذا أبو طلحة ، - رضي الله عنه - قد جعلها لأبي 5 وحسان، ، وإنما يلتقي هو وأبي عند أبيه السابع؛ لأن أبا طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار .

                                                وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فلم ينكر رسول الله -عليه السلام- على أبي طلحة ، ما فعل من ذلك، فدل ما ذكرنا على أن من كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى من فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له، كما أن من يلقاه إلى أب دونهم قرابة أيضا.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي روي عن النبي -عليه السلام- في معنى القرابة غير ما ذكر من الوجه المذكور، وأراد بذلك منع ما قال من قال: القرابة هم الذين يلتقون هم ومن يقاربونه عند أبيه الرابع فأسفل من ذلك.

                                                وجه المنع: أن حديث أنس هذا يدل على أن من كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى من فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له.

                                                وأخرجه من طريقين صحيحين: [ ص: 203 ] الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، عن حميد الطويل ، عن أنس .

                                                وأخرجه الترمذي: ثنا إسحاق بن منصور، قال: أنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد ، عن أنس قال: "لما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال: أو قال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو طلحة: وكان له حائط فقال: يا رسول الله، حائطي لله، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه، فقال: اجعله في قرابتك أو أقربتك".

                                                قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة: عن حفص ، عن حميد ، عن أنس نحوه.

                                                الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن محمد بن عبد الله الأنصاري المذكور، عن أبيه عبد الله بن المثنى ، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك البصري قاضيها، عن جده أنس بن مالك .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": من حديث أبي حاتم، ثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، عن عمه ثمامة ، عن أنس قال: "لما نزلت: لن تنالوا البر الآية و من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي بكذا وكذا وهو لله، وإن استطعت أن أسره لم أعلنه. قال: اجعله في فقراء أهلك، فجعله في حسان وأبي - رضي الله عنهما -".

                                                [ ص: 204 ] قوله: "حائطي"، الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حوائط.

                                                قوله: "مكان كذا وكذا" قد سماه ذلك في رواية البخاري ومسلم والنسائي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئرا تسمى بيرحاء كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله -عليه السلام- يدخلها ويشرب من ماء كان فيها طيب، فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " الحديث.

                                                وأخرجه أبو داود: عن موسى، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس قال: "لما نزلت: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة: يا رسول الله أرى ربنا سألنا من أموالنا، فإني أشهدك أني جعلت أرضي بأريحاء له، فقال رسول الله -عليه السلام- اجعلها في قرابتك، فقسمها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب".

                                                وأخرجه مسلم والنسائي أيضا نحوه.

                                                قوله: "بأريحاء" بفتح الباء الموحدة، بعدها ألف ساكنة، وبراء مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبحاء مهملة ممدودة، والمشهور بيرحاء، وقد اختلفوا في ضبطها اختلافا شديدا، فقال القاضي: هو حائط يسمى بهذا الاسم وليس اسم بئر، وكان بقرب المسجد، ويقال: هذا موضع يعرف بقعر بني جديلة قبل المسجد.

                                                ومن فوائد هذا الحديث: أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين وأن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب [ ص: 205 ] بعيد؛ لأنه -عليه السلام- أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع.




                                                الخدمات العلمية