الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7365 ص: واحتجوا في ذلك من الآثار بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال: حدثني أبي ، عن ثمامة بن عبد الله ، عن أنس - رضي الله عنه -: " أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما استخلف وجه أنس بن مالك إلى البحرين فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -عليه السلام- على المسلمين التي أمر الله -عز وجل- بها رسوله ، فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه، فكان في كتابه ذلك: أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة".

                                                7366 وحدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا أبو عمر الضرير ، قال: ثنا حماد بن سلمة ، قال: "أرسلني ثابت البناني إلى ثمامة بن عبد الله بن أنس الأنصاري ليبعث إليه بكتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الذي كتبه لأنس بن مالك حين بعثه مصدقا، قال حماد: : فدفعه إلي، فإذا عليه خاتم رسول الله -عليه السلام-، فإذا فيه ذكر فريضة الصدقات...." ثم ذكر مثل حديث ابن مرزوق. .

                                                7367 وحدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا الحكم بن موسى أبو صالح ، قال: ثنا يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود ، قال: حدثني الزهري ، عن أبي بكر بن محمد [ ص: 555 ] بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده: " أن رسول الله -عليه السلام- كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، ، ثم ذكر فيما زاد على العشرين والمائة من الإبل كذلك أيضا".

                                                7368 وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني عبد الله بن لهيعة ، عن عمارة بن غزية الأنصاري ، عن عبد الله بن أبي بكر الأنصاري ، أخبره أن هذا كتاب رسول الله -عليه السلام- لعمرو بن حزم في الصدقات، . فذكر فيما زاد على العشرين والمائة من الإبل كذلك أيضا.

                                                7369 وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده: " أن رسول الله -عليه السلام- كتب لعمرو بن حزم فرائض الإبل...." ثم ذكر فيما زاد على العشرين والمائة كذلك أيضا.

                                                7370 وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال: " نسخة كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -، فوعيتها على وجهها، وهي التي نسخ عمر بن عبد العزيز من سالم 5 وعبد الله ابني ابن عمر حين أمر على المدينة، وأمر عماله بالعمل بها...." ، ثم ذكر هذا الحديث.

                                                قالوا: وقد عمل بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، 7371 فذكروا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود ، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر: " ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يأخذ على هذا الكتاب، فذكر فرائض الإبل، . وفيما ذكر منها: أن ما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، ، وفي كل خمسين حقة".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بآثار وهي سبعة:

                                                الأول: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها وشيخ البخاري ، عن أبيه [ ص: 556 ] عبد الله بن المثنى الأنصاري ، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، عن جده أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

                                                وهذا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسا حدثه، أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -عليه السلام- على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ، ومن سئل فوقها فلا يعطي، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستة وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت يعني ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة...." الحديث بتمامه.

                                                وأخرجه ابن ماجه أيضا نحوه.

                                                الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي عمر حفص بن عمر ، عن حماد بن سلمة ...إلى آخره.

                                                وهذا أيضا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه أبو داود مطولا جدا: نا موسى بن إسماعيل، نا حماد، قال: [ ص: 557 ] "أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر- رضي الله عنه - كتب لأنس وعليه خاتم رسول الله -عليه السلام- حين بعثه مصدقا، وكتب له، فإذا فيه: فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله -عليه السلام- على المسلمين، التي أمر الله بها نبيه -عليه السلام-، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه: فيما دون خمس وعشرين من الإبل والغنم في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة...." الحديث.

                                                وأخرجه النسائي أيضا.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي صالح الحكم بن موسى البغدادي شيخ مسلم وأبي داود ، عن يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الدمشقي ، عن سليمان بن داود الخولاني الدمشقي ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي بكر بن محمد ...إلى آخره.

                                                وقد تكلموا في هذا الحديث بسبب سليمان بن داود، قال ابن المديني: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث عمرو بن حزم في الديات منكر الحديث. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد.

                                                والحديث أخرجه النسائي في "سننه" وقال: أخبرنا عمرو بن منصور، [ ص: 558 ] قال: أنا الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود الخولاني ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله -عليه السلام- كتب إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد: فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار وما سقت السماء وكان سيحا أو كان بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون، إلى أن يبلغ خمسا وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة طروقة الجمل، إلى أن تبلغ ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل...." الحديث.

                                                الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن عمارة بن غزية الأنصاري ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، أخبره أن هذا كتاب رسول الله -عليه السلام-...إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن وهب في "مسنده".

                                                وابن لهيعة فيه مقال.

                                                الخامس: عن أحمد بن داود بن موسى المكي ، عن عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر بن راشد ، عن عبد الله بن أبي بكر ...إلى آخره.

                                                [ ص: 559 ] وهذا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر ، عن عبد الله بن أبي بكر ...إلى آخره.

                                                السادس: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب، قال: نسخت كتاب رسول الله -عليه السلام-...إلى آخره.

                                                وهذا إسناد صحيح ولكنه مرسل.

                                                وأخرجه أبو داود: نا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال: "هذه نسخة كتاب رسول الله -عليه السلام- الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - من عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وسالم بن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -...." فذكر الحديث.

                                                قال: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها ابنتا لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها: ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعا وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت...."
                                                الحديث.

                                                [ ص: 560 ] السابع: عن أحمد بن داود المكي ، عن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ البخاري ، عن عبد الله بن المبارك ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.

                                                وهذا إسناد صحيح موقوف.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع، نا سفيان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر، قال: قال عمر- رضي الله عنه -: "إذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون".

                                                قوله: "هذه فريضة الصدقة" معنى الفرض الإيجاب؛ وذلك أن الله تعالى أوجبها وأحكم فرضها في كتابه العزيز، ثم أمر رسوله بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء إليه، وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق فجاز أن يسمى أمره وتبليغه عن الله فرضا على هذا المعنى.

                                                وقد قيل: معنى الفرض هاهنا بيان التقدير، ومنه فرض نفقة الأزواج، وفرض أرزاق الجند، ومعناه راجع إلى قوله: لتبين للناس ما نزل إليهم

                                                وقيل: معنى الفرض هنا: السنة، ومنه ما روي: "أنه -عليه السلام- فرض كذا" أي سنه.

                                                قوله: "فمن سئلها" أي من سئل الصدقة من الزكاة، من المسلمين على وجهها أي على حسب ما سن رسول الله -عليه السلام- من فرض مقاديرها.

                                                قوله: "ومن سئل فوقها" أي فوق الفريضة فلا يعطيه، والمعنى لا يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئا من الزكاة لهذا المصدق؛ لأنه خان بطلبه فوق الواجب، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته.

                                                قوله: "حين بعثه مصدقا" نصب على الحال من الضمير المنصوب في بعثه، والمصدق -بكسر الدال المشددة- وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها، [ ص: 561 ] يقال: صدقهم يصدقهم، وقد جاءت اللغة مشددة الصاد والدال معا، وكسر الدال في طالب الصدقة، وأنكره ثعلب، وقال الخطابي: المصدق بتخفيف الصاد: العامل.

                                                قوله: "فإذا عليه خاتم رسول الله -عليه السلام-" أي طابعه وعلامته؛ لأن خاتم الكتاب يصونه ويمنع الناظرين عما في باطنه، وتفتح تاؤه وتكسر على اللغتين.




                                                الخدمات العلمية