الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ مُلْكِ جَوْدَرْزُ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ سَابُورَ جَوْدَرْزُ بْنُ أَشْكَانَ ، وَهُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ . وَسَبَبُ تَسْلِيطِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ ، فَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ ، فَلَمْ يَعُدْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ كَجَمَاعَتِهِمُ الْأُولَى ، وَرَفَعَ اللَّهُ مِنْهُمُ النُّبُوَّةَ وَنَزَلَ بِهِمُ الذُّلُّ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ طِيطُوسُ بْنُ إِسْفِيَانُوسَ مَلِكُ الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَقَدْ كَانَتِ الرُّومُ غَزَتْ بِلَادَ فَارِسَ يَطْلُبُونَ ثَأْرَ أَنْطِيخَسَ ، وَمَلَكَ بَابِلَ حِينَئِذٍ " بِلَاشُ أَبُو أَرْدُوَانَ " الَّذِي قَتَلَهُ " أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ " ، فَكَتَبَ بِلَاشُ إِلَى مُلُوكِ الطَّوَائِفِ يُعْلِمُهُمْ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ مِنْ غَزْوِ بِلَادِهِمْ وَمَا حَشَدُوا وَجَمَعُوا وَأَنَّهُ إِنْ عَجَزَ مِنْهُمْ ظَفِرُوا بِهِمْ جَمِيعًا . فَوَجَّهَ كُلُّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ إِلَى بِلَاشَ مِنَ الرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَالِ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ صَاحِبَ الْحَضَرِ ، وَكَانَ لَهُ مَا بَيْنَ السَّوَادِ وَالْجَزِيرَةِ ، فَلَقِيَ الرُّومَ وَقَتَلَ مَلِكَهُمْ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُمْ ، وَذَلِكَ الَّذِي هَيَّجَ الرُّومَ عَلَى بِنَاءِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَنَقْلِ الْمُلْكِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَيْهَا ، وَكَانَ الَّذِي أَنْشَأَهَا قُسْطَنْطِينُ الْمَلِكُ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ وَأَجْلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ فِلَسْطِينَ وَالشَّامِ لِقَتْلِهِمْ عِيسَى بِزَعْمِهِمْ ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ صَلَبُوا الْمَسِيحَ عَلَيْهَا ، فَعَظَمَّهَا الرُّومُ وَأَدْخَلُوهَا خَزَائِنَهُمْ وَهِيَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ . وَلَمْ يَزَلْ مُلْكُ فَارِسَ مُتَفَرِّقًا حَتَّى مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ . وَلَمْ يُبَيِّنْ هِشَامٌ مُدَّةَ مُلْكِهِمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ فَارِسَ : مَلَكَ بِلَادَهُمْ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ مُلُوكٌ مِنْ غَيْرِ الْفُرْسِ كَانُوا يُطِيعُونَ كُلَّ مَنْ مَلَكَ بِلَادَ الْجَبَلِ ، وَهُمُ الْأَشْغَانِيُّونَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ مُلُوكَ الطَّوَائِفِ ، وَكَانَ مُلْكُهُمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ ، وَقِيلَ : كَانَ مُلْكُهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، مَلَكَ مِنْ هَذِهِ السِّنِينَ أَشَكُ بْنُ أَشْكَانَ عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ ابْنُهُ سَابُورُ سِتِّينَ سَنَةً ، وَفِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنَّ " تِيطُوسَ بْنَ إِسْفِيَانُوسَ " مَلِكَ رُومِيَّةَ غَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْمَسِيحِ بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَلَكَ الْمَدِينَةَ وَقَتَلَ ، وَسَبَى ، وَأَخْرَبَ الْمَدِينَةَ ، ثُمَّ مَلَكَ جَوْدَرْزُ بْنُ أَشْغَانَانَ الْأَكْبَرُ عَشْرَ سِنِينَ ، ثُمَّ مَلَكَ بِيرَنُ الْأَشْغَانِيُّ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ جَوْدَرْزُ الْأَشْغَانِيُّ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ نَرْسِي الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ هُرْمُزُ الْأَشْغَانِيُّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ أُرْدُوَانُ الْأَشْغَانِيُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ كِسْرَى الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ بِلَاشُ الْأَشْغَانِيُّ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ أُرْدُوَانُ الْأَصْغَرُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَلَكَ بِلَادَ الْفُرْسِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ فَرَّقَ الْإِسْكَنْدَرُ الْمَمْلَكَةَ بَيْنَهُمْ ، وَتَفَرَّدَ بِكُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ مُلِّكَ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ مَلَّكَهُ عَلَيْهَا مَا خَلَا السَّوَادَ ، فَإِنَّهُ كَانَ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً بَعْدَ هَلَاكِ الْإِسْكَنْدَرِ فِي يَدِ الرُّومِ . وَكَانَ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ رَجُلٌ مِنْ نَسْلِ الْمُلُوكِ قَدْ مَلَكَ الْجِبَالَ وَأَصْبَهَانَ ، ثُمَّ غُلِبَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى السَّوَادِ ، وَكَانُوا مُلُوكًا عَلَيْهَا ، وَعَلَى الْمَاهَاتِ ، وَالْجِبَالِ ، وَأَصْبَهَانَ كَالرَّئِيسِ عَلَى سَائِرِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَقْدِيمِهِ وَتَقْدِيمِ وَلَدِهِ ، وَلِذَلِكَ قُصِدَ لِذِكْرِهِمْ فِي كُتُبِ سِيَرِ الْمُلُوكِ ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى ذِكْرِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَكَانَتْ مُدَّةُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَقِيلَ : ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَقِيلَ : خَمْسَمِائَةٍ وَثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَمِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَلَكُوا الْجِبَالَ ثُمَّ تَهَيَّأَتْ بَعْدَ أَوْلَادِهِمُ الْغَلَبَةُ عَلَى السَّوَادِ أَشَكُ بْنُ حَرَّهْ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسِبَ فِي قَوْلٍ ، وَبَعْضُ الْفُرْسِ زَعَمَ أَنْ أَشَكَ بْنَ دَارَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَشَكُ بْنُ أَشَكْانَ الْكَبِيرُ ، هُوَ مِنْ وَلَدِ كَيْكَاوُوسَ ، وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ أَشَكَ ابْنُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ سَابُورُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْدَرْزُ عَشْرَ سِنِينَ ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ بِيرُنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْدَرْزُ الْأَصْغَرُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ ابْنُهُ نَرْسِي أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ هُرْمُزُ بْنُ بِلَاشَ بْنِ أَشْكَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ أُرْدُوَانَ الْأَكْبَرُ بْنُ أَشْكَانَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً ، ثُمَّ كِسْرَى بْنُ أَشْكَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ أُرْدُوَانُ الْأَصْغَرُ بْنُ بِلَاشَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْأَشْكَانِيَّةِ وَأَظْهَرَهُمْ ، وَأَعَزَّهُمْ قَهْرًا لِلْمُلُوكِ ، ثُمَّ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ وَجَمَّعَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ فِي أَسْمَاءِ الْمُلُوكِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ بِذِكْرِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا قِيلَ عِنْدَ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية