الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذكر بَعْضِ سِيرَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ عُمَرُ : إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ ، فَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ ! قَالَ نَافِعٌ الْعَيْشِيُّ : دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ ، وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ اتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَفَّ الْآخَرَ عَلَى رَأْسِهِ ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا . فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ : فِي كِتَابِ اللَّهِ ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) . ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ : هَذَا الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ : رَأَيْتُ عُمَرَ أَخَذَ بِتِبْنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ ، يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا ، يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا . وَقَالَ الْحَسَنُ : قَالَ عُمَرُ : لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلًا ، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي ، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيَّ ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَأُقِيمُ شَهْرَيْنِ ، وَبِالْجَزِيرَةِ شَهْرَيْنِ ، وَبِمِصْرَ شَهْرَيْنِ ، وَبِالْبَحْرَيْنِ شَهْرَيْنِ ، وَبِالْكُوفَةِ شَهْرَيْنِ ، وَبِالْبَصْرَةِ شَهْرَيْنِ ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا ! وَقِيلَ لِعُمَرَ : إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا . فَقَالَ : لَقَدِ اتَّخَذْتُ إِذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . قِيلَ : خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ جَمَلًا هَلَكَ ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ : خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالًا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ . فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ [ أُمَرَاءِ ] الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِنَّكَ لَتُقِصُّهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذَنْ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ ، وَكَيْفَ لَا أُقِصُّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ ! أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ ، وَلَا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ ، وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ ، وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ . قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ لَيْلًا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ : رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ . فَأَتَيَا السُّوقَ فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ فَقَالَ عُمَرُ : أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ ؟ فَانْطَلَقَا فَإِذَا قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ . قَالَ : انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَالَ : يَا فُلَانُ كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ ! قَالَ : وَمَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : شَيْءٌ شَهِدْتُهُ . قَالَ : أَوَلَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ ؟ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ . وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ فَتُحْرِقُهُ ، وَكَانَتِ السُّقُوفُ مِنْ جَرِيدٍ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ . وَقَالَ أَسْلَمُ : وَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ وَأَنَا مَعَهُ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا نَارٌ تَسَعَّرُ . فَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ . فَهَرْوَلْنَا حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ مَعَهَا صِبْيَانٌ لَهَا وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى نَارٍ وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ . فَقَالَ عُمَرُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ . وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ : يَا أَصْحَابَ النَّارِ . قَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ . قَالَ : أَدْنُوا ؟ قَالَتْ : ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ . فَدَنَا فَقَالَ : مَا بَالُكُمْ ؟ قَالَتْ : قَصَّرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ . قَالَ : فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ ؟ قَالَتْ : [ مِنْ ] الْجُوعِ . قَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ ؟ قَالَتْ : مَا لِي مَا أُسْكِتُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا ، فَأَنَا أُعَلِّلُهُمْ وَأُوهِمُهُمْ أَنِّي أُصْلِحُ لَهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَنَامُوا ، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ ! قَالَ : أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ ، مَا يُدْرِي بِكُمْ عُمَرَ ؟ قَالَتْ : يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفُلُ عَنَّا . فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا . فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ ، فَأَخْرَجَ عِدْلًا فِيهِ كُبَّةُ شَحْمٍ فَقَالَ : احْمِلْهُ عَلَى ظَهْرِي . قَالَ أَسْلَمُ : فَقُلْتُ : أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . فَقَالَ آخِرَ ذَلِكَ : أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا أُمَّ لَكَ ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا ، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا : ذُرِّي عَلَيَّ وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ ، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خَلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ ثُمَّ أَنْزَلَ الْقِدْرَ ، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمِيهِمْ وَأَنَا أُسَطِّحُ لَكِ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ! فَيَقُولُ : قُولِي خَيْرًا ، فَإِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ! ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ لَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَى الصِّبْيَةَ يَضْحَكُونَ وَيَصْطَرِعُونَ ، ثُمَّ نَامُوا وَهَدَأُوا ، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ ، فَقَالَ : يَا أَسْلَمُ ، الْجُوعُ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ . ( صِرَارٌ : بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَرَائَيْنِ ) . قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : كَانَ عُمَرُ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ فَقَالَ : إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا [ مِنْكُمْ ] فَعَلَهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ . قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ : وَكَانَ عُمَرُ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ فَاسْتَقْرَضَهُ ، فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيهِ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ ، فَيَلْزَمُهُ فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ . قَالَ : وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ قَالُوا لَهُ : يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ ، كُلَّمَا جَاءَ خَلِيفَةٌ قَالُوا يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ اللَّيْلَ ، وَأَوَّلُ مَنْ عَاقَبَ عَلَى الْهِجَاءِ ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُصَلُّونَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَأَمَرَهُمْ بِهِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الدِّرَّةَ وَضَرَبَ بِهَا ، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ زَاذَانُ : قَالَ عُمَرُ لِسَلْمَانَ : أَمَلِكٌ أَنَا أَمْ خَلِيفَةٌ ؟ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : إِنْ أَنْتَ جَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ، فَأَنْتَ مَلِكٌ غَيْرُ خَلِيفَةٍ . فَبَكَىعُمَرُ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ : يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ حَنْتَمَةَ ! لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابَيْنِ وَعُكَّةَ زَيْتٍ فِي يَدِهِ ، وَإِنَّهُ لَيَعْتَقِبُ هُوَ وَأَسْلَمُ ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قُلْتُ : قَرِيبًا ، فَأَخَذْتُ أَعْقُبُهُ فَحَمَلْنَاهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صِرَارٍ ، فَإِذَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مِنْ مُحَارِبٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا أَقْدَمَكُمْ ؟ قَالُوا : الْجَهْدُ ، وَأَخْرَجُوا لَنَا جِلْدَ الْمَيْتَةِ مَشْوِيًّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ ، وَرِمَّةَ الْعِظَامِ مَسْحُوقَةً كَانُوا يَسْتَفُّونَهَا ، فَرَأَيْتُ عُمَرَ طَرَحَ رِدَاءَهُ ثُمَّ اتَّزَرَ ، فَمَا زَالَ يَطْبُخُ حَتَّى أَشْبَعَهُمْ ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَسْلَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَنَا بِأَبْعِرَةٍ ، فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْزَلَهُمُ الْجَبَّانَةَ ، ثُمَّ كَسَاهُمْ ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ : رَأَتِ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ فِتْيَانًا يَقْصِدُونَ فِي الْمَشْيِ وَيَتَكَلَّمُونَ رُوَيْدًا فَقَالَتْ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : نُسَّاكٌ ، فَقَالَتْ : كَانَ وَاللَّهِ عُمَرُ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ ، وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ ، وَهُوَ وَاللَّهِ نَاسِكٌ حَقًا . قَالَ الْحَسَنُ : خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً مِنْهَا أَدَمٌ . قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ : رَأَيْتُ عُمَرَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مُرَقَّعٌ بِقِطْعَةِ جِرَابٍ . وَقَالَ عَلِيٌّ : رَأَيْتُ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ رُقْعَةً فِيهَا مِنْ أَدَمٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ فَيَسْقُطُ حَتَّى يُعَادَ كَمَا يُعَادُ الْمَرِيضُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ ( وَالطَّوْرِ ) ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) ، سَقَطَ ثُمَّ تَحَامَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ شَهْرًا مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ عُمَرُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْخُصُومُ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : أَتَى رَهْطٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا لَهُ : كَثُرَ الْعِيَالُ وَاشْتَدَّتِ الْمَؤُونَةُ فَزِدْنَا فِي عَطَائِنَا . قَالَ : فَعَلْتُمُوهَا ، جَمَعْتُمْ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَاتَّخَذْتُمُ الْخَدَمَ مِنْ مَالِ اللَّهِ ، لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا ، فَلَنْيَعْجِزَ النَّاسُ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَإِنِ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ ، وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ . فَقَالَ طَلْحَةُ : وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ : وَإِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ ؟ قَالَ : لَا ، الْقَتْلُ أَنْكَلُ لِمَنْ بَعْدَهُ ، احْذَرُوا فَتَى ابْنِ قُرَيْشٍ وَابْنِ كَرِيمِهَا الَّذِي لَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا ، وَيَضْحَكُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُمَنْفَوْقَهُوَمَنْتَحْتَهُ . قَالَ مُجَالِدٌ : ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ فَقِيلَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاضِلٌ لَا يَعْرِفُ مِنَ الشَّرِّ شَيْئًا . قَالَ : ذَاكَ أَوْقَعُ لَهُ فِيهِ . قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ : قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : لَمَّا دُفِنَ عُمَرُ أَتَيْتُ عَلِيًّا ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ فِي عُمَرَ شَيْئًا ، فَخَرَجَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ ، وَقَدِ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُلْتَحِفٌ بِثَوْبٍ لَا يَشُكُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ الْخَطَّابِ ، لَقَدْ صَدَقَتِ ابْنَةُ أَبِي حَثْمَةَ ، ذَهَبَ بِخَيْرِهَا وَنَجَا مِنْ شَرِّهَا ، أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ وَلَكِنْ قُوِّلَتْ . وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو فِي عُمَرَ : فَجَّعَنِي فَيْرُوزُ لَا دَرَّ دَرُّهُ بِأَبْيَضَ تَالٍ لِلْكِتَابِ نَجِيبِ رَءُوفٍ عَلَى الْأَدْنَى غَلِيظٍ عَلَى الْعِدَا أَخِي ثِقَةٍ فِي النَّائِبَاتِ مُنِيبِ مَتَى مَا يَقُلْ لَا يُكْذِبِ الْقَوْلَ فِعْلُهُ سَرِيعٍ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرِ قَطُوبِ وَقَالَتْ أَيْضًا : عَيْنِ جُودِي بِعَبْرَةٍ وَنَحِيبِ لَا تَمَلِّي عَلَى الْإِمَامِ النَّجِيبِ فَجَعَتْنِي الْمَنُونُ بِالْفَارِسِ الْمُعْ لِمِ يَوْمَ الْهِيَاجِ وَالتَّلْبِيبِ عِصْمَةِ النَّاسِ وَالْمُعِينِ عَلَى الدَّهْ رِ وَغَيْثِ الْمُنْتَابِ وَالْمَحْرُوبِ قُلْ لِأَهْلِ الثَّرَاءِ وَالْبُؤْسِ مُوتُوا قَدْ سَقَتْهُ الْمَنُونُ كَأْسَ شَعُوبِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : وَحَجَّ عُمَرُ فَلَمَّا كَانَ بِضَجْنَانَ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْعَلِيُّ الْمُعْطِي مَا شَاءَ مَنْ شَاءَ ، كُنْتُ أَرْعَى إِبِلَ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْوَادِي فِي مِدْرَعَةِ صُوفٍ ، وَكَانَ فَظًّا يُتْعِبُنِي إِذَا عَمِلْتُ ، وَيَضْرِبُنِي إِذَا قَصَّرْتُ ، وَقَدْ أَمْسَيْتُ وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ أَحَدٌ ، ثُمَّ تَمَثَّلَ : لَا شَيْءَ فِيمَا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلَا سُلَيْمَانَ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِهِ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا يَرِدُ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ نَوَافِلُهَا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا رَاكِبٌ يَفِدُ حَوْضًا هُنَالِكَ مَوْرُودًا بِلَا كَذِبٍ لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا قَالَ أَسْلَمُ : إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ اسْتَقْرَضَتْ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ تَتَّجِرُ فِيهَا وَتَضْمَنُهَا ، فَأَقْرَضَهَا ، فَخَرَجَتْ فِيهَا إِلَى بِلَادِ كَلْبٍ فَاشْتَرَتْ وَبَاعَتْ ، فَبَلَغَهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَابْنَهُ عَمْرًا أَتَيَا مُعَاوِيَةَ ، فَعَدَلَتْ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ، فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ : مَا أَقْدَمَكِ أَيْ أُمَّهْ ؟ قَالَتْ : النَّظَرُ إِلَيْكَ أَيْ بُنَيَّ ، إِنَّهُ عُمَرُ ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ وَقَدْ أَتَاكَ أَبُوكَ فَخَشِيتُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَهْلُ ذَلِكَ هُوَ ، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتَهُ فَيُؤَنِّبُوكَ وَيُؤَنِّبُكَ عُمَرُ فَلَا يَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا . فَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ وَإِلَى أَخِيهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَسَاهُمَا وَحَمَلَهُمَا ، فَتَسَخَّطَهَا عَمْرٌو ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَا تَسَخَّطْهَا فَإِنَّ هَذَا عَطَاءٌ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ هِنْدٌ ، وَرَجَعُوا جَمِيعًا ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدٍ : أَرَبِحْتِ ؟ قَالَتْ : اللَّهُ أَعْلَمُ . فَلَمَّا أَتَتِ الْمَدِينَةَ وَبَاعَتْ شَكَتِ الْوَضِيعَةَ ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ : لَوْ كَانَ مَالِي لَتَرَكْتُهُ لَكِ ، وَلَكِنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ : بِكَمْ أَجَازَكَ مُعَاوِيَةُ ؟ قَالَ : بِمِائَةِ دِينَارٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فُلَانٌ أَشْعَرُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ فُلَانٌ أَشْعَرُ ، قَالَ : فَأَقْبَلْتُ فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ جَاءَكُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا ، مَنْ أَشْعَرُ الشُّعَرَاءِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى . فَقَالَ : هَلُمَّ مِنْ شِعْرِهِ مَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ . فَقُلْتُ : امْتَدَحَ قَوْمًا مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ : لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ قَوْمٌ لِأَوَّلِهِمْ يَوْمًا إِذَا قَعَدُوا قَوْمٌ أَبُوهُمْ سِنَانٌ حِينَ تَنْسُبُهُمْ طَابُوا وَطَابَ مِنَ الْأَوْلَادِ مَا وَلَدُوا جِنٌّ إِذَا فَزِعُوا إِنْسٌ إِذَا أَمِنُوا مُمَرَّدُونَ بَهَالِيلُ إِذَا جَهِدُوا مُحَسَّدُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ لَا يَنْزِعُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا فَقَالَ عُمَرُ : أَحْسَنَ وَاللَّهِ ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْلَى بِهَذَا الشِّعْرِ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ; لِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ . فَقُلْتُ : وُفِّقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تَزَلْ مُوَفَّقًا ! فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَتَدْرِي مَا مَنَعَ قَوْمَكُمْ مِنْهُمْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجِيبَهُ فَقُلْتُ : إِنْ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْرِينِي ! فَقَالَ عُمَرُ : كَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ ، فَتَبَجَّحُوا عَلَى قَوْمِكُمْ بَجَحًا بَجَحًا ، فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَوُفِّقَتْ . فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ تَأْذَنْ لِي فِي الْكَلَامِ وَتُمِطْ عَنِّي الْغَضَبَ تَكَلَّمْتُ . قَالَ : تَكَلَّمْ . قُلْتُ : أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : اخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابْتَ وَوَفِّقْتَ ، فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا اخْتَارَتْ لِأَنْفُسِهَا حِينَ اخْتَارَ اللَّهُ لَهَا لَكَانَ الصَّوَابُ بِيَدِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَحْسُودٍ . وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ تَكُونَ لَنَا النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَفَ قَوْمًا بِالْكَرَاهَةِ فَقَالَ : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) . فَقَالَ عُمَرُ : هَيْهَاتَ وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكَ أَشْيَاءُ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُقِرَّكَ عَلَيْهَا فَتُزِيلَ مَنْزِلَتَكَ مِنِّي . فَقُلْتُ : مَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَ مَنْزِلَتِي مِنْكَ ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا فَمِثْلِي أَمَاطَ الْبَاطِلَ عَنْ نَفْسِهِ . فَقَالَ عُمَرُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ : إِنَّمَا صَرَفُوهَا عَنْكَ حَسَدًا وَبَغْيًا وَظُلْمًا . فَقُلْتُ : أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : ظُلْمًا ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْجَاهِلِ وَالْحَلِيمِ ، وَأَمَّا قَوْلُكَ : حَسَدًا ، فَإِنَّ آدَمَ حُسِدَ وَنَحْنُ وَلَدُهُ الْمُحَسَّدُونَ . فَقَالَ عُمَرُ : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! أَبَتْ وَاللَّهِ قُلُوبُكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا حَسَدًا لَا يَزُولُ . فَقُلْتُ : مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا تَصِفْ قُلُوبَ قَوْمٍ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا بِالْحَسَدِ وَالْغِشِّ ، فَإِنَّ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قُلُوبِ بَنِي هَاشِمٍ . فَقَالَ عُمَرُ : إِلَيْكَ عَنِّي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ . فَقُلْتُ : أَفْعَلُ . فَلَمَّا ذَهَبْتُ لِأَقُومَ اسْتَحْيَا مِنِّي فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَكَانَكَ ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَرَاعٍ لِحَقِّكَ مُحِبٌّ لِمَا سَرَّكَ . فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ لِي عَلَيْكَ حَقًّا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ حَفِظَهُ فَحَظَّهُ أَصَابَ ، وَمَنْ أَضَاعَهُ فَحَظَّهُ أَخْطَأَ . ثُمَّ قَامَ فَمَضَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية