الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ ثَمَانِيَةِ رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَأَمَّا الرِّجَالُ فَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَاوَتِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى مُحَارَبَتِهِ ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَأَسْلَمَتِ أَمِرْأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ ، وَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ وَمَعَهَا غُلَامٌ لَهَا رُومِيٌّ ، فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا ، فَأَطْمَعَتْهُ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ ، حَتَّى أَتَتْ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَاسْتَعَانَتْهُمْ عَلَيْهِ ، فَأَوْثَقُوهُ ، وَأَدْرَكَتْ عِكْرِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ رُكُوبَ الْبَحْرِ فَقَالَتْ : جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ ، وَأَحْلَمِهِمْ ، وَأَكْرَمِهِمْ ، وَقَدْ آمَنَكَ ، فَرَجَعَ ، وَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ الرُّومِيِّ ، فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ . فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُرَّ بِهِ ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ، فَاسْتَغْفَرَ . وَمِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَكَانَ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَرَبَ خَوْفًا مِنْهُ إِلَى جُدَّةَ ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ صَفْوَانَ سَيِّدُ قَوْمِي ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ فَآمِنْهُ . قَالَ : هُوَ آمِنٌ ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مَكَّةَ لِيَعْرِفَ بِهَا أَمَانَهُ ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ فَأَدْرَكَهُ بِجُدَّةَ ، فَأَعْلَمَهُ بِأَمَانِهِ وَقَالَ : إِنَّهُ أَحْلَمُ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ ، وَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ ، وَعِزُّهُ عِزُّكَ ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ . قَالَ : إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي . قَالَ : هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ . فَرَجَعَ صَفْوَانُ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ آمَنْتَنِي . قَالَ : صَدَقَ . قَالَ : اجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ . قَالَ : أَنْتَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ . فَأَقَامَ مَعَهُ كَافِرًا ، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَتُوفِيَّ بِمَكَّةَ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَوْمِ الْجَمَلِ . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَبَ الْوَحْيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ : عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، يَكْتُبُ : عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ : إِنِّي أَكْتُبُ أَحْرُفَ مُحَمَّدٍ فِي قُرْآنِهِ حَيْثُ شِئْتُ ، وَدِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَغَيَّبَهُ عُثْمَانُ حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّاسُ ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَبَ لَهُ الْأَمَانَ ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَوِيلًا ثُمَّ آمَنَهُ ، فَأَسْلَمَ وَعَادَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقْتُلَهُ أَحَدُكُمْ . فَقَالَ أَحَدُهُمْ : هَلَّا أَوْمَأَتْ إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْتُلَ بِالْإِشَارَةِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَكُونُ لَهُمْ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ ، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَدِّقًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغُلَامٌ لَهُ رُومِيٌّ قَدْ أَسْلَمَ ، فَكَانَ الرُّومِيُّ يَخْدُمُهُ وَيَصْنَعُ الطَّعَامَ ، فَنَسِيَ يَوْمًا أَنْ يَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا ، فَقَتَلَهُ وَارْتَدَّ ، وَكَانَ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغْنِيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ ، أَخُو عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ . وَمِنْهُمُ الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ، وَيُنْشِدُ الْهِجَاءَ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ مِنْ بَيْتِهِ ، فَلَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَتَلَهُ . وَمِنْهُمْ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً وَارْتَدَّ ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ اخْتَفَى بِمَكَانٍ هُوَ وَجَمَاعَةٌ ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ ، فَعَلِمَ بِهِ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنَانِيُّ ، فَأَتَاهُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ . وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَيُعَظِّمُ الْقَوْلَ فِيهِ ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ هُوَ وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ - إِلَى نَجْرَانَ ، فَأَمَّا هُبَيْرَةُ فَأَقَامَ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى هَلَكَ ، وَأَمَّا ابْنُ الزِّبَعْرَى فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتَذَرَ ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ : يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ بِرَبِّي ثُمَّ نَفْسِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ فِي أَشْعَارٍ لَهُ كَثِيرَةٌ يَعْتَذِرُ فِيهَا . وَمِنْهُمْ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى الطَّائِفِ ، ثُمَّ قَدِمَ فِي وَفْدِ أَهْلِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَحْشِيُّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ عَمِّي ؟ فَأَخْبَرَهُ ، فَبَكَى وَقَالَ : غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي . وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُلِدَ فِي الْخَمْرِ ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرَ الْمَصْقُولَ فِي الشَّامِ . وَهَرَبَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ، فَرَآهُ أَبُو ذَرٍّ فِي حَائِطٍ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَانِهِ ، فَقَالَ : أَوَلَيْسَ قَدْ آمَنَّا النَّاسَ إِلَّا مَنْ قَدْ أَمَرْنَا بِقَتْلِهِ ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَسْلَمَ . قِيلَ : إِنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : يَا شَيْخُ ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُكَ . فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَانَ يَصُدُّنِي عَنْهُ أَبُوكَ . فَأَمَّا النِّسَاءُ فَمِنْهُنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِهَا لِمَا فَعَلَتْ بِحَمْزَةَ ، وَلِمَا كَانَتْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ مَعَ النِّسَاءِ مُتَخَفِّيَةً فَأَسْلَمَتْ ، وَكَسَرَتْ كُلَّ صَنَمٍ فِي بَيْتِهَا وَقَالَتْ : لَقَدْ كُنَّا مِنْكُمْ فِي غُرُورٍ ، وَأَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدْيَيْنِ ، وَاعْتَذَرَتْ مِنْ قِلَّةِ وِلَادَةِ غَنَمِهَا ، فَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ فِي غَنَمِهَا فَكَثُرَتْ ، فَكَانَتْ تَهَبُ وَتَقُولُ : هَذَا مِنْ بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ . وَمِنْهُنَّ سَارَةُ ، وَهِيَ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ كِتَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمَةً فَوَصَلَهَا ، فَعَادَتْ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدَّةً ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا ، فَقَتَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . وَمِنْهُنَّ قَيْنَتَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ ، وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا وَاسْمُهَا قَرِيبَةُ ، وَفَّرَتِ الْأُخْرَى وَتَنَكَّرَتْ وَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَتْ ، وَبَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسَهُ خَطَأً فَمَاتَتْ ، وَقِيلَ : بَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، فَكَسَرَ رَجُلٌ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا خَطَأً فَمَاتَتْ ، فَأَغْرَمَهُ عُثْمَانُ دِيَتَهَا . وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، أَلَا كُلُّ دَمٍ أَوْ مَأْثُرَةٍ أَوْ مَالٍ يُدَّعَى فَهُوَ تَحْتُ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ، إِلَّا سَدَانَةَ الْبَيْتِ ، وَسِقَايَةَ الْحَجِّ . ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرًا ، أَخٌ كَرِيمٌ ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ . قَالَ : اذْهَبُوا ، فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ . فَعَفَا عَنْهُمْ ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْهُمْ ، وَكَانُوا لَهُ فَيْئًا ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقَاءَ . وَطَافَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا ، وَدَخَلَهَا وَصَلَّى فِيهَا ، وَرَأَى فِيهَا صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ ، وَكَانَ عَلَى الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا ، وَكَانَ بِيَدِهِ قَضِيبٌ ، فَكَانَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْأَصْنَامِ وَهُوَ يَقْرَأُ : وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا فَلَا يُشِيرُ إِلَى صَنَمٍ مِنْهَا إِلَّا سَقَطَ لِوَجْهِهِ . وَقِيلَ : بَلْ أَمَرَ بِهَا وَخُدِمَتْ وَكُسِرَتْ . ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَيْعَةِ عَلَى الصَّفَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَحْتَهُ ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ يُبَايِعُهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا ، فَكَانَتْ هَذِهِ بَيْعَةَ الرِّجَالِ . وَأَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الرِّجَالِ بَايَعَ النِّسَاءَ ، فَأَتَاهُ مِنْهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، مِنْهُنَّ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وَدٍّ الْعَامِرِيِّ ، وَأَرْوَى بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ عَمَّةُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ، وَأُخْتُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ ، وَأُمُّهُ بِنْتُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أُخْتُ عُثْمَانَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعْدٍ حَلِيفِ بَنِي مَخْزُومٍ ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَيُسَيْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَأُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، وَفَاخِتَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أُخْتُ خَالِدٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ الْحَجَّاجِ ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي غَيْرِهِنَّ ، وَكَانَتْ هِنْدُ مُتَنَكِّرَةً لِصَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ بِهِ ، وَقَالَ لَهُنَّ : تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا . قَالَتْ هِنْدُ : إِنَّكَ وَاللَّهِ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا مَا لَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ ، فَسَنُؤْتِيكَهُ . قَالَ : وَلَا تَسْرِقْنَ . قَالَتْ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَةَ وَالْهَنَةَ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَكَانَ حَاضِرًا : أَمَّا مَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهِنْدُ ؟ قَالَتْ أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . قَالَ وَلَا تَزْنِينَ . قَالَتْ : وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ قَالَ : وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ . قَالَتْ : رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا ، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا ، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ . فَضَحِكَ عُمَرُ . قَالَ : وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ . قَالَتْ : وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ . قَالَ : وَلَا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ . قَالَتْ مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ : بَايِعْهُنَّ . وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمَسُّ النِّسَاءَ ، وَلَا يُصَافِحُ امْرَأَةً ، وَلَا تَمَسُّهُ امْرَأَةٌ إِلَّا امْرَأَةٌ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ ، أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ . وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَقُرَيْشٌ فَوْقَ الْجِبَالِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ أَمِنَ ، فَلَمَّا أَذَّنَ وَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَتْ جُوَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ : لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي حِينَ لَمْ يَشْهَدْ نَهِيقَ بِلَالٍ فَوْقَ الْكَعْبَةِ . وَقِيلَ : إِنَّهَا قَالَتْ : لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَسَنُصَلِّي ، وَلَكِّنَا لَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الْأَحِبَّةَ . وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَسَدٍ ، أَخُو عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ : لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي ، فَلَمْ يَرَ هَذَا الْيَوْمَ . وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ : لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ . ثُمَّ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . ( وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْمُشْكِلَةُ ، فَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِالْحَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَبَعْدَ اللَّامِ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا . وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ تَحْتُ ، ثُمَّ نُونٍ ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . وَعَتَّابٌ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ . وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَكَسْرِ السِّينِ ) . وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ : ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ ، فَتَعْنِي بِابْنِ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَابْنِ عَمَّتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَهُوَ أَخُوهَا لِأَبِيهَا ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَقَوْلُهُ : قَالَ فِي مَكَّةَ مَا قَالَ : فَإِنَّهُ قَالَ بِمَكَّةَ : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَرْقَى فِي السَّمَاءِ ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ . وَقَدْ غَلِطَ هُنَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ فَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ : ابْنُ عَمَّتِكَ ، أَنَّ جَدَّةَ النَّبِيِّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ مَخْزُومِيٌّ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنَ خَالَتِهِ لَا ابْنَ عَمَّتِهِ ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ . ( وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ . وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَسُكُونِ الْقَافِ ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ . وَصُبَابَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ . خَطْمُ الْجَبَلِ رُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، فَأَمَّا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَنْفُ الْخَارِجُ مِنَ الْجَبَلِ ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ثُلِمَ مِنْهُ وَقُطِعَ ، فَبَقِيَ مُنْقَطِعًا ، وَقَدْ رُوِيَ حَطْمُ الْخَيْلِ بِالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ ، وَالْخَيْلُ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تُرْكَبُ ، يَعْنِي أَنَّهُ يَحْبِسُهُ فِي الْمَوْضِعِ الضَّيِّقِ الَّذِي يُحَطِّمُ الْخَيْلُ فِيهِ بَعْضُهَا بَعْضًا لِضِيقِهِ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية