الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ هَدْمِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَبِنَائِهَا وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدَمَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ . وَكَانَ سَبَبَ هَدْمِهِمْ إِيَّاهَا أَنَّهَا كَانَتْ رَضِيمَةً فَوْقَ الْقَامَةِ ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ سَرَقُوا كَنْزَهَا وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، وَكَانَا فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ . وَكَانَ أَمْرُ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَفَعَلَا ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَقَامَ إِسْمَاعِيلُ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَلِي الْبَيْتَ حَيَاتَهُ ، وَبَعْدَهُ وَلِيَهُ ابْنُهُ نَبْتٌ . فَلَمَّا مَاتَ نَبْتٌ وَلَمْ يَكْثُرْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ غَلَبَتْ جُرْهُمٌ عَلَى وِلَايَةِ الْبَيْتِ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَهُ مِنْهُمْ مُضَاضُ ، ثُمَّ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، حَتَّى بَغَتْ جُرْهُمٌ ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَةَ الْبَيْتِ ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى قِيلَ : إِنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ زَنَيَا فِي الْبَيْتِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ . وَكَانَتْ خُزَاعَةُ قَدْ أَقَامَتْ بِتِهَامَةَ بَعْدَ تَفَرُّقِ أَوْلَادِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الْيَمَنِ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جُرْهُمٍ الرُّعَافَ أَفْنَاهُمْ ، فَاجْتَمَعَتْ خُزَاعَةُ عَلَى إِجْلَاءِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، وَرَئِيسُ خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ ، فَاقْتَتَلُوا . فَلَمَّا أَحَسَّ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُرْهُمِيُّ بِالْهَزِيمَةِ خَرَجَ بِغَزَالَيِ الْكَعْبَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ يَلْتَمِسُ التَّوْبَةَ وَهُوَ يَقُولُ : لَاهُمَّ إِنَّ جُرْهُمًا عِبَادُكْ النَّاسُ طَرَفٌ وَهُمْ تِلَادُكْ بِهِمْ قَدِيمًا عَمُرَتْ بِلَادُكْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ، فَدَفَنَ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ بِبِئْرِ زَمْزَمَ وَطَمَّهَا وَخَرَجَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ جُرْهُمٍ إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ ، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ وَوَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَ جُرْهُمٍ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ ، وَقِيلَ : وَلِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيُّ ، ثُمَّ خُزَاعَةُ بَعْدَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ فِي قَبَائِلِ مُضَرَ ثَلَاثُ خِلَالٍ : الْإِجَازَةُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْغَوْثِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدٍّ ، وَهُوَ صُوفَةُ . وَالثَّانِيَةُ : الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى ، وَكَانَتْ إِلَى بَنِي زَيْدِ بْنِ عَدْوَانَ ، وَآخِرُ مَنْ وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَمِيلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ بْنِ خَالِدٍ . وَالثَّالِثَةُ : النَّسِيءُ لِلشُّهُورِ الْحُرُمِ ، فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْقَلَمَّسِ ، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ فُقَيْمِ بْنِ كِنَانَةَ ، ثُمَّ إِلَى بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ ، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي ثُمَامَةَ ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ قَلَعَ بْنِ حُذَيْفَةَ ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ عَادَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إِلَى أَصْلِهَا فَأَبْطَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - النَّسِيءَ . ثُمَّ وَلِيَتِ الْبَيْتَ بَعْدَ خُزَاعَةَ قُرَيْشٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ . ثُمَّ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ فَأَخْرَجَ الْغَزَالَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ الْغَزَالَانِ عِنْدَهُ دُوَيْكٌ ، مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ خُزَاعَةَ ، فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ ، وَكَانَ فِيمَنِ اتُّهِمَ فِي ذَلِكَ : عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَأَبُو هَارِبِ بْنُ عُزَيْزٍ ، وَأَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً إِلَى جِدَّةَ لِتَاجِرٍ رُومِيٍّ فَتَحَطَّمَتْ ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِسَقْفِهَا ، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا . وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَتَشْرُفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا كَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا ، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا ، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ اخْتَطَفَهَا طَائِرٌ فَذَهَبَ بِهَا ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَاهُ . وَكَانَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَبَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . فَلَمَّا أَرَادُوا هَدْمَهَا قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَتَنَاوَلَ حَجَرًا مِنَ الْكَعْبَةِ فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا إِلَّا طَيِّبًا وَلَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَهْرَ بَغِيٍّ وَلَا بَيْعَ رِبًا وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ هَذَا . ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : أَنَا أَبْدَأُكُمْ بِهِ ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَهَدَمَ ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا : نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا ، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ سَالِمًا وَغَدَا إِلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ ، حَتَّى انْتَهَى الْهَدْمُ إِلَى الْأَسَاسِ ، ثُمَّ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ آخِذٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، فَأَدْخَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلَعَ بِهِ أَحَدَهُمَا . فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ انْتَقَضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا ، ثُمَّ جَمَعُوا لِبِنَائِهَا ثُمَّ بَنَوْا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ ، فَأَرَادَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ رَفْعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ حَتَّى تَحَالَفُوا وَتَوَاعَدُوا لِلْقِتَالِ ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا ، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيٍّ عَلَى الْمَوْتِ ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ ، فَسُمُّوا لَعْقَةَ الدَّمِ بِذَلِكَ ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ ثُمَّ تَشَاوَرُوا . فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ - وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ : اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : هَذَا الْأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِهِ ، وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : هَلُمُّوا إِلَيَّ ثَوْبًا ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَوَضَعَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ : لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا . فَلَمَّا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية