الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال الشافعي رضي الله عنه في " المختصر " : لو قال : له في ميراث أبي ألف درهم ، كان مقرا على أبيه بدين . ولو قال : له في ميراثي من أبي ألف درهم ، كان هبة ، إلا أن يريد إقرارا . قال الأصحاب : النصان على ظاهرهما .

                                                                                                                                                                        وعن صاحب " التقريب " إشارة إلى التسوية ، كأنه نقل وخرج .

                                                                                                                                                                        والمذهب : الفرق . ومثله ، لو قال : له في هذه الدار نصفها ، فهو إقرار . ولو قال : في داري نصفها ، فهو وعد هبة ، نص عليهما . ولو قال : له في مالي ألف درهم ، كان إقرارا . ولو قال : له من مالي ألف درهم ، كان وعد هبة ، نص عليهما . واختلف الأصحاب في قوله : له في مالي ألف ، فقيل : قولان :

                                                                                                                                                                        أحدهما : هو وعد هبة .

                                                                                                                                                                        والثاني : إقرار . وقيل : هبة قطعا . وحملوا النص على خطأ الناسخ ، وربما أولوه على ما لو أتى بصيغة التزام فقال : علي في مالي ، فإنه إقرار ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى . وإذا أثبتنا الخلاف ، فعن الشيخ أبي علي ، طرده فيما إذا قال : في داري نصفها . وامتنع من طرده فيما إذا قال : في ميراثي من أبي . وعن صاحب " التقريب " وغيره ، طرده فيه بطريق الأولى ؛ لأن قوله : في ميراثي من أبي ، أولى بأن يجعل إقرارا من قوله : في مالي أو في داري ؛ لأن التركة مملوكة للورثة مع تعلق الدين بها ، فيحسن إضافة الميراث إلى نفسه مع الإقرار بالدين ، بخلاف المال والدار . وأما فرقه في النص الأخير ، بين " في " و " من " ، فمن الأصحاب من قال : لا فرق ، ولم يثبت هذا النص ، أو أولوه ، ومنهم من فرق ، بأن " في " يقتضي كون مال المقر ظرفا لمال المقر له ، وقوله : من مالي ، يقتضي التبعيض ، وهو ظاهر في الوعد بأنه [ ص: 386 ] يقطع له شيئا من ماله . وإذا فرقنا بينهما ، لزمه مثله في الميراث قطعا .

                                                                                                                                                                        والمذهب : أنه لا فرق بينهما ، وأن الحكم في قوله : في مالي كما ذكرنا أولا في ميراثي . واستبعد الإمام تخريج الخلاف في قوله : له في داري نصفها ؛ لأنه إذا أضاف الكل إلى نفسه ، لم ينتظم منه الإقرار ببعضه ، كما لا ينتظم الإقرار بكله في قوله : داري لفلان ، وخصص طريقة الخلاف بما إذا لم يكن المقر به جزءا من مسمى ما أضافه إلى نفسه ، كقوله : في مالي ألف ، أو في داري ألف . وحيث قلنا في هذه الصور : إنه وعد هبة ، لا إقرار ، فذلك إذا لم يذكر كلمة الالتزام فأما إذا ذكرها بأن قال : علي ألف درهم في هذا المال ، أو في مالي ، أو في ميراثي من أبي ، أو في ميراث أبي ، أو في داري ، أو في عبدي ، أو هذا العبد ، فهو إقرار بكل حال . ولو قال : له في ميراثي من أبي ، أو في مالي بحق لزمني . أو بحق ثابت ، وما أشبهه ، فهو إقرار بكل حال ، كما لو قال : علي ، ذكره ابن القاص ، والشيخ أبو حامد ، وغيرهما . واعلم أن مقتضى قولنا في قوله : علي في هذا المال ، أو في هذا العبد ألف درهم ، هو إقرار : أنه يلزمه الألف وإن لم يبلغ ذلك المال ألفا ، بخلاف ما إذا قال : له علي ألف في هذا الكيس ، وكان فيه دون الألف ، فإن فيه خلافا سبق ، فإن ظرفية العبد للدراهم ، ليست كظرفية الكيس لها ، لكن لو قال : له في هذا العبد ألف ، من غير كلمة علي ، وفسره بأنه أوصى له بألف من ثمنه ، فلم يبلغ ثمنه ألفا ، لم يجب عليه تتميم الألف بحال .

                                                                                                                                                                        قلت :

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية