الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا كان عليه دين لزيد ، أو عين في يده ، فقال رجل : أنا وكيله بالقبض منك فأقبضنيه ، فله حالان :

                                                                                                                                                                        أحدهما : أن يصدقه في دعوى الوكالة ، فله دفعه إليه . فإن دفع فحضر زيد ، وأنكر الوكالة ، فالقول قوله بيمينه . فإذا حلف ، فإن كان الحق عينا ، أخذها ، فإن تلفت ، فله تغريم من شاء منهما ، ولا رجوع للغارم على الآخر ؛ لأنه مظلوم بزعمه ، فلا يؤاخذ غير ظالمه . قال في " التتمة " : هذا إذا تلفت بلا تفريط وإن تلفت بتفريط القابض ، نظر ، إن غرم القابض ، فلا رجوع . وإن غرم الدافع ، رجع ؛ لأن القابض وكيل عنده ، والوكيل يضمن بالتفريط ، وزيد ظالمه بأخذ القيمة [ ص: 346 ] منه ، وماله في ذمة القابض ، فيستوفيه بحقه . وإن كان الحق دينا ، فله مطالبة الدافع بحقه . وإذا غرمه ، قال المتولي : إن كان المدفوع باقيا ، فله استرداده وإن كان ذلك لزيد في زعمه ؛ لأنه ظالمه بتغريمه ، وقد ظفر بماله . وإن كان تالفا ، فإن فرط فيه ، غرمه ، وإلا فلا . وهل لزيد مطالبة القابض ؟ نظر ، إن تلف المدفوع عنده ، فلا ، وكذا إن كان باقيا على الأصح ، وبه قال الأكثرون ؛ لأن الآخذ فضولي بزعمه ، والمأخوذ ليس حقه ، وإنما هو مال المديون . وقال أبو إسحاق ، والشيخ أبو حامد : له مطالبته ؛ لأنه في معنى وكيله بالدفع إليه . فعلى هذا ، إذا أخذه ، برئ الدافع ، هذا كله في جواز الدفع إذا صدقه في الوكالة ، وهل يلزم الدفع ، أم له الامتناع إلى قيام البينة ؟ نص هنا أن له الامتناع . ونص فيما لو أقر بدين أو عين لزيد ، وأنه مات وهذا وارثه : أنه يلزمه الدفع بلا بينة ؟ فقيل قولان فيهما .

                                                                                                                                                                        والمذهب : تقرير النصين .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أن لا يصدقه ، فلا يكلف الدفع إليه . فإن دفع ثم حضر زيد وحلف على نفي الوكالة ، غرم الدافع ، وكان له أن يرجع على القابض دينا كان أو عينا ؛ لأنه لم يصرح بصدقه . ولو أنكر الوكالة أو الحق ، وكان الوكيل مأذونا له في إقامة البينة ، أو قلنا : الوكيل بالقبض مطلقا له إقامة البينة ، أقامها وأخذ الحق . فإن لم تكن بينة ، فهل له التحليف ؟ يبنى على أنه لو صدقه ، هل يلزمه الدفع ؟ إن قلنا : نعم ، حلفه ، وإلا فيبنى على أن النكول مع يمين الرد كالبينة ، أم كالإقرار ؟ وإن قلنا بالأول ، حلفه ، وإلا فلا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        جاء رجل وقال لمن عليه الدين : أحالني به مالكه ، فصدقه . وقلنا : إذا صدق [ ص: 347 ] مدعي الوكالة ، لا يلزمه الدفع ، فهنا وجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما : يلزمه كالوارث . ولو كذبه ولم تكن بينة ، هل له تحليفه ؟ إن ألزمناه الدفع ، فنعم ، وإلا فكما سبق . ولو قال : مات فلان وله عندي كذا ، وهذا وصيه ، فهو كقوله : وارثه . فلو قال : مات ، وقد أوصى به لهذا الرجل ، فكإقراره بالحوالة .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا أوجبنا الدفع إلى الوارث والوصي ، أو لم نوجب ، فدفع ، ثم بان حياة المستحق وغرم الدافع ، فله الرجوع على المدفوع إليه . ولو جحد الحوالة ، فكجحد الوكالة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية