الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الأمر الثاني : القبض . فإذا تنازعا في قبض المرهون ، فإن كان في وقت النزاع في يد الراهن ، فالقول قوله مع يمينه . وإن كان في يد المرتهن وقال : [ ص: 117 ] قبضته عن الرهن ، وأنكر الراهن ، فقال : بل غصبتنيه ، فالقول قول الراهن على الصحيح . وقيل : قول المرتهن ، وهو شاذ ضعيف . وإن قال الراهن : بل قبضته عن جهة أخرى مأذون فيها ، بأن قال : أودعتكه ، أو أعرت ، أو أكريت ، أو أكريته لفلان فأكراكه ، فهل القول قول المرتهن ، لاتفاقهما على قبض مأذون فيه ، أو قول الراهن ; لأن الأصل عدم ما ادعاه ؟ وجهان . أصحهما : الثاني ، وهو المنصوص . ويجري مثل هذا التفصيل ، فيما إذا اختلف البائع والمشتري ، حيث كان للبائع حق الحبس ، وصادفنا المبيع في يد المشتري ، فادعى البائع أنه أعاره ، أو أودعه ، لكن الأصح هنا حصول القبض ، لقوة يده بالملك . وهذا تفريع على أنه لا يبطل حق الحبس بالإعارة والإيداع ، وفيه خلاف سبق . ولو صدقه الراهن في إذنه في القبض على جهة الرهن ، ولكن قال : رجعت قبل قبضك ، فالقول قول المرتهن في عدم الرجوع ; لأن الأصل عدمه . ولو قال الراهن : لم يقبضه بعد ، وقال المرتهن : قبضته ، فمن كان المرهون في يده منهما ، فالقول قوله باتفاق الأصحاب ، وعليه حملوا النصين المختلفين في " الأم " .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إقرار الراهن بإقباض المرهون ، مقبول ملزم ، لكن بشرط الإمكان . حتى لو قال : رهنته اليوم داري بالشام ، وأقبضته إياها وهما بمكة ، فهو لاغ . ولو قامت البينة على إقراره بالإقباض في موضع الإمكان ، فقال : لم يكن إقراري عن حقيقة ، فحلفوه أنه قبض ، نظر ، إن ذكر لإقراره تأويلا ، بأن قال : كنت أقبضته بالقول ، وظننت أنه يكفي قبضا ، أو وقع إلي كتاب على لسان وكيلي بأنه أقبض وكان مزورا ، أو قال : أشهدت على رسم القبالة قبل حقيقة القبض ، فله تحليفه . وإن لم يذكر تأويلا ، فوجهان . أصحهما عند العراقيين : يحلفه ، وبه قال : [ ص: 118 ] ابن خيران وغيره ، وهو ظاهر النص . وأصحهما عند المراوزة : لا ، وبه قال أبو إسحاق .

                                                                                                                                                                        قلت : طريقة العراقيين أفقه وأصح . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وقد حكى في " الوسيط " وجها : أنه لا يحلفه مطلقا وإن ذكر تأويلا . وهذا الوجه غريب ضعيف مخالف لما قطع به الأصحاب . ولو لم يقم بينة على إقراره ، بل أقر في مجلس القضاء بعد توجه الدعوى عليه ، فوجهان . قال القفال : لا يحلفه وإن ذكر تأويلا ; لأنه لا يكاد يقر عند القاضي إلا عن تحقيق . وقال غيره : لا فرق ، لشمول الإمكان . ولو شهد الشهود على نفس القبض ، فليس له التحليف بحال ، وكذا لو شهدوا على إقراره ، فقال : ما أقررت ; لأنه تكذيب للشهود .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو كان الرهن مشروطا في بيع ، فقال المشتري : أقبضت ، ثم تلف الرهن ، فلا خيار لك في البيع ، وأقام على إقراره بالقبض حجة ، فأراد المرتهن تحليفه ، فهو كما ذكرنا في إقرار الرهن وطلب الراهن يمين المرتهن . ويقاس على هذا ، ما إذا قامت بينة بإقراره لزيد بألف ، فقال : إنما أقررت وأشهدت ليقرضني ، ثم لم يقرضني ، وكذا سائر نظائرها .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية