الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 365 ] الركن الرابع : الصيغة ، وفيه مسائل .

                                                                                                                                                                        إحداها : قول القائل : لفلان كذا ، صيغة إقرار . وقوله : لفلان علي ، أو في ذمتي ، إقرار بالدين ظاهرا . وقوله : عندي أو معي ، إقرار بالعين . وقوله : له قبلي كذا ، قال في " التهذيب " : هو دين ، ويشبه أن يكون صالحا للدين والعين جميعا .

                                                                                                                                                                        قلت : قوله : إقرار بالعين ، معناه : أنه يحمل عند الإطلاق على أن ذلك عين مودعة له عنده ، قاله البغوي . قال : حتى لو ادعى بعد الإقرار أنها كانت وديعة تلفت ، أو رددتها ، قبل قوله بيمينه بخلاف ما إذا قلنا : إنه دين ، فإنه لو فسره بالوديعة ، لم يقبل . وإذا ادعى التلف ، لم ينفعه ، بل يلزمه الضمان . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الثانية : إذا قال رجل : لك علي ألف ، فقال في جوابه : زن ، أو خذ ، أو استوف ، أو اتزن ، لم يكن إقرارا ؛ لأنه ليس بالتزام ، ولأنه قد يذكر للاستهزاء . وفي وجه : اتزن ، إقرار ، وهو شاذ . ولو قال : خذه ، أو زنه ، أو اختم عليه ، أو شده في هميانك ، أو اجعله في كيسك ، أو اختم عليه ، فليس بإقرار على الصحيح ، وقال الزبيري : إقرار .

                                                                                                                                                                        قلت : ولو قال : وهي صحاح ، فهو كقوله : زنه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو قال في الجواب : بلى ، أو نعم ، أو أجل ، أو صدقت ، فهو إقرار . قالوا : ولو قال : لعمري فإقرار . ولعل العرف يختلف فيه . ولو قال : أنا مقر به ، أو [ ص: 366 ] بما تدعيه ، أو لست منكرا له فهو إقرار له . ولو قال : أنا مقر ، ولم يقل : به ، أو لست منكرا ، أو أنا أقر ، فليس بإقرار . ولو قال : أنا أقر لك به ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        نسب الإمام كونه إقرارا إلى الأكثرين . وفيه نظر ؛ لأن العراقيين ، والقاضي حسينا والروياني قطعوا بأنه ليس بإقرار ، ولا يحكى الوجه الآخر إلا نادرا . ويتأيد كونه إقرارا بأنهم اتفقوا على أنه لو قال : لا أنكر ما تدعيه ، كان إقرارا ، ولم يحملوه على الوعد بالإقرار . ولو قال : لا أنكر أن يكون محقا ، فليس بإقرار ، لجواز أن يريد في شيء آخر . فلو قال : فيما يدعيه ، فهو إقرار . ولو قال : لا أقر به ولا أنكره ، فهو كسكوته ، فيجعل منكرا ، وتعرض عليه اليمين . ولو قال : أبرأتني منه ، أو قضيته ، فإقرار ، وعليه بينة القضاء والإبراء . وفي وجه : أبرأتني منه ، ليس بإقرار ، وليس بشيء . ولو قال : أقررت بأنك أبرأتني واستوفيت مني فليس بإقرار .

                                                                                                                                                                        ولو قال في الجواب : لعل ، أو عسى ، أو أظن ، أو أحسب ، أو أقدر ، فليس بإقرار .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        اللفظ وإن كان صريحا في التصديق ، فقد تنضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه إلى الاستهزاء والتكذيب . ومن جملتها : الأداء ، والإبراء ، وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار ، فيشبه أن يحمل قول الأصحاب : إن صدقت ، وما في معناها ، إقرار على غير هذه الحالة . فأما إذا اجتمعت القرائن ، فلا تجعل إقرارا . ويقال : فيه خلاف ، لتعارض اللفظ والقرينة ، كما لو قال : لي عليك ألف ، [ ص: 367 ] فقال فالجواب على سبيل الاستهزاء : لك علي ألف ، فإن المتولي حكى فيه وجهين .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية