الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الركن الثاني : المقر له ، وله ثلاثة شروط . أحدها : أهلية استحقاق الحق المقر به . فلو قال : لهذا الحمار أو لدابة فلان علي ألف ، فهو لغو ، ولو قال : لفلان علي ألف بسببها ، صح على الصحيح ، ولزمه حملا على أنه جنى عليها أو اكتراها . وقيل : لا يلزمه ؛ لأن الغالب لزوم المال بالمعاملة ، ولا يتصور ذلك . ولو قال : لعبد فلان علي أو عندي ألف ، صح وكان إقرارا لسيده ، والإضافة فيه كالإضافة في الهبة وسائر الإنشاءات .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : لحمل فلانة علي أو عندي ألف ، فله ثلاثة أحوال . أحدها : أن يسند إلى جهة صحيحة ، كقوله : ورثه من أبيه ، أو وصى به له فلان ، فيعتبر إقراره . ثم إن انفصل ميتا ، فلا حق له ، ويكون لورثة من قال : إنه ورثه منه ، أو للموصي ، أو ورثته في صورة الوصية . وإن انفصل حيا ، فإن كان لدون ستة أشهر من حين الإقرار ; استحقه . وإن انفصل لأكثر من أربع سنين فلا ، لتيقن عدمه ، وإن انفصل لستة أشهر فأكثر ، ولدون أربع سنين ، فإن كانت مستفرشة ، لم يستحق ، وإلا فقولان .

                                                                                                                                                                        قلت : أظهرهما : الاستحقاق . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 357 ] وإذا ثبت الاستحقاق ، فإن ولدت ذكرا ، فهو له . أو ذكرين فأكثر ، فلهم بالسوية ، وإن ولدت أنثى ، فهو لها إن أسنده إلى وصية . وإن أسنده إلى إرث من أبيها ، فلها نصفه . وإن ولدت ذكرا وأنثى ، فهو بينهما بالسوية إن أسنده إلى وصية ، وأثلاثا إن أسنده إلى الإرث . هذا إذا اقتضت جهة الوراثة ما ذكرنا ، فإن اقتضت التسوية ، كولدي أم ، سوي بينهما في الثلث .

                                                                                                                                                                        قال الإمام : ولو أطلق الإرث ، سألناه عن الجهة وحكمنا بمقتضاها .

                                                                                                                                                                        قلت : وهذا المحكي عن الإمام قاله أيضا ابن الصباغ . وقال الشيخ أبو حامد : يكون بينهما بالسوية . وإن تعذرت مراجعة المقر ، فينبغي القطع بالتسوية بينهما . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أن يطلق الإقرار ، فيصح على الأظهر ، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه .

                                                                                                                                                                        الثالث : أن يسند إلى جهة باطلة ، كقوله : أقرضنيه أو باعني به شيئا ، فإن أبطلنا المطلق ، فذا أولى ، وإلا فطريقان . أصحهما : القطع بالصحة .

                                                                                                                                                                        والثاني : على القولين في تعقيب الإقرار بما يرفعه .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح في هذا الحال : البطلان ، وبه قطع الرافعي في " المحرر " . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وإذا صححنا الإقرار في الحالين الآخرين ، فانفصل ميتا ، فلا شيء له ، ويسأل المقر عن جهة إقراره من الإرث والوصية ، ويعمل بمقتضاها .

                                                                                                                                                                        قال الإمام : وليس لهذا السؤال والبحث طالب معين ، وكان القاضي يسأل حسبة ليصل الحق إلى مستحقه . فإن مات قبل البيان ، فكمن أقر لإنسان فرده . وفي تعليق الشيخ أبي حامد : أنه يطالب ورثته كنفسه . وإن انفصل حيا للمدة المعتبرة ، فالكل له ، ذكرا كان أو [ ص: 358 ] أنثى . وإن انفصل ذكر وأنثى ، فهو لهما بالسوية . ومتى انفصل حي وميت ، فالميت كالمعدوم ، وينظر في الحي كما ذكرنا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أقر لإنسان بحمل جارية ، أو بهيمة ، ففيه التفصيل المذكور في الإقرار للحمل . فإن قال : إنه أوصى له به صح ، وينظر ، كم بين انفصاله وبين يوم الإقرار من المدة ، على ما سبق . وفي حمل البهيمة ، يرجع إلى أهل الخبرة . وإن أطلق أو أسند إلى جهة باطلة ، ففيه الخلاف المذكور . ولو أقر بالحمل لرجل ، وبالأم لآخر ، فإن جوزنا الإقرار بالحمل ، صح الإقراران ، وإلا فقال البغوي : هما جميعا للآخر ، وهذا بناء على أن الإقرار بالحامل إقرار بالحمل ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أقر لمسجد أو مقبرة أو نحوهما بمال ، وأسنده إلى جهة صحيحة ، كغلة وقف عليه صح . وإن أطلق ، فوجهان ، تخريجا من القولين في الحمل ، وعلى قياسه ما إذا أسند إلى جهة باطلة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية