الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ ، وَهُوَ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْهَرَوَانِ بْنِ أَرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، رَأَى رُؤْيَا هَائِلَةً ، رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ وَالْعَافَةَ فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ - أَيْ حِينٍ - أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . فَأَرْسَلُوهُ إِلَى يُوسُفَ ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا ، فَقَالَ : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، فَإِنَّ الْبَقَرَ السِّمَانَ : السِّنُونَ الْمَخَاصِيبُ ، وَالْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ : السِّنُونَ الْمُحُولُ ، وَكَذَلِكَ السُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ وَالْيَابِسَاتُ ، فَعَادَ نَبْوُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ حَقٌّ ، فَقَالَ : ائْتُونِي بِهِ . فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ وَدَعَاهُ إِلَى الْمَلِكِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ سَأَلَ الْمَلِكُ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ فَقُلْنَ : حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وَلَكِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ خَبَّرَتْنَا أَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ : أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ . فَقَالَ يُوسُفُ : إِنَّمَا رَدَدْتُ الرُّسُلَ لِيَعْلَمَ سَيِّدِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فِي زَوْجَتِهِ . فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ، قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ : وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُفُ : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ . فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَةُ يُوسُفَ وَأَمَانَتُهُ قَالَ : ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي . فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مَعَهُ وَدَعَا لِأَهْلِ السِّجْنِ وَكَتَبَ عَلَى بَابِهِ : هَذَا قَبْرُ الْأَحْيَاءِ وَبَيْتُ الْأَحْزَانِ وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ . ثُمَّ اغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَقَصَدَ الْمَلِكَ ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ وَ كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . فَقَالَ يُوسُفُ : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ . فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ ، فَسَلَّمَ خَزَائِنَهُ كُلَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ وَحُكْمَهُ نَافِذًا ، وَرَدَّ إِلَيْهِ عَمَلَ قُطْفِيرَ سَيِّدِهِ بَعْدَ أَنْ هَلَكَ ، وَكَانَ هَلَاكُهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي ، وَقِيلَ : بَلْ عَزَلَهُ فِرْعَوْنُ وَوَلَّى يُوسُفَ عَمَلَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ . وَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ عَمَلَ مِصْرَ دَعَا الْمَلِكَ رَيَّانَ إِلَى الْإِيمَانِ ، فَآمَنَ ثُمَّ تُوُفِّيَ ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِصْرَ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ نُمَيِرِ بْنِ السَّلْوَاسِ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقٍ ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ إِلَى الْإِيمَانِ ، فَلَمْ يُؤْمِنْ ، وَتُوَفِّيَ يُوسُفُ فِي مُلْكِهِ . ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الرَّيَّانَ زَوَّجَ يُوسُفَ رَاعِيلَ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا قَالَ : أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ ؟ فَقَالَتْ : أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لَا تَلُمْنِي فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ فِي حُسْنِكَ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي . وَوَجَدَهَا بِكْرًا ، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَا . فَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ خَزَائِنَ أَرْضِهِ وَمَضَتِ السِّنُونَ السَّبْعُ الْمُخْصِبَاتُ وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ فِي سُنْبُلِهِ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ وَقَحَطَ النَّاسُ ، وَأَصَابَهُمُ الْجُوعُ ، وَأَصَابَ بِلَادَ يَعْقُوبَ الَّتِي هُوَ بِهَا بَعَثَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ مِنْهُ وَلِتَغَيُّرِ لُبْسَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ : أَخْبِرُونِي مَا شَأْنُكُمْ . قَالُوا : نَحْنُ مِنَ الشَّامِ جِئْنَا نَمْتَارُ الطَّعَامَ . قَالَ : كَذَبْتُمْ ، أَنْتُمْ عُيُونٌ ، فَأَخْبِرُونِي خَبَرَكُمْ . قَالُوا : نَحْنُ عَشَرَةُ أَوْلَادِ رَجُلٍ وَاحِدٍ صِدِّيقٍ ، كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ ، وَإِنَّهُ كَانَ لَنَا أَخٌ فَخَرَجَ مَعَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ فَهَلَكَ ، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِينَا . قَالَ : فَإِلَى مَنْ سَكَنَ أَبُوكُمْ بَعْدَهُ ؟ قَالُوا : إِلَى أَخٍ لَنَا أَصْغَرَ مِنْهُ . قَالَ : فَأْتُونِي بِهِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ . قَالَ : فَاجْعَلُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رَهِينَةً حَتَّى تَرْجِعُوا . فَوَضَعُوا شَمْعُونَ ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ، وَجَهَّزَهُمْ يُوسُفُ بِجَهَازِهِمْ ، وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ : اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ ، يَعْنِي ثَمَنَ الطَّعَامِ ، فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ وَدِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ لِأَجْلِهَا . وَقِيلَ : رَدَّ مَالَهُمْ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَإِذَا رَأَوْا مَعَهُمْ بِضَاعَةً عَادُوا . وَكَانَ يُوسُفُ حِينَ رَأَى مَا بِالنَّاسِ مِنَ الْجُهْدِ قَدْ أَسَى بَيْنَهُمْ ، وَكَانَ لَا يَحْمِلُ لِلرَّجُلِ إِلَّا بَعِيرًا . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ بِأَحْمَالِهِمْ قَالُوا : يَا أَبَانَا إِنَّ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ أَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ أَنَّهُ بَعْضُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا زَادَ عَلَى كَرَامَتِهِ ، وَإِنَّهُ ارْتَهَنَ شَمْعُونَ ، وَقَالَ : ائْتُونِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ أَبُوكُمْ بَعْدَ أَخِيكُمْ ، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ . قَالَ : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ، قَالَ يَعْقُوبُ : ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ، فَقَالَ يَعْقُوبُ : لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . ثُمَّ أَوْصَاهُمْ أَبُوهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لِأَخِيهِمْ فِي الرَّحِيلِ مَعَهُمْ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ ، وَكَانُوا ذَوِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ ، فَفَعَلُوا كَمَا أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ، وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ وَعَرَفَهُ وَأَنْزَلَهُمْ مَنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْوَظَائِفَ وَقَدَّمَ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ ، فَبَكَى وَقَالَ : لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ ! فَقَالَ يُوسُفُ : لَقَدْ بَقِيَ أَخُوكُمْ هَذَا وَحِيدًا ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ وَقَعَدَ يُؤَاكِلُهُ . فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَهُمْ بِالْفِرَاشِ وَقَالَ : لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشٍ ، وَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ ، فَقَالَ : هَذَا يَنَامُ مَعِي ، فَبَاتَ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَبَقِيَ يَشُمُّهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَصْبَحَ ، وَذَكَرَ لَهُ بِنْيَامِينُ حُزْنَهُ عَلَى يُوسُفَ ، فَقَالَ لَهُ : أَتُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَخَاكَ عِوَضَ أَخِيكَ الذَّاهِبِ ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ : وَمَنْ يَجِدُ أَخًا مِثْلَكَ ! وَلَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ وَلَا رَاحِيلُ . فَبَكَى يُوسُفُ وَقَامَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ ، وَقَالَ لَهُ : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يُوسُفُ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا ، وَلَا تُعْلِمْهُمْ بِمَا عَلَّمْتُكَ . وَقِيلَ : لَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ نَقَرَ الصُّوَاعَ وَقَالَ : إِنَّهُ يُخْبِرُنِي أَنَّكُمْ كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَنَّكُمْ بِعْتُمْ أَخَاكُمْ . فَلَمَّا سَمِعَهُ بِنْيَامِينُ سَجَدَ لَهُ وَقَالَ : سَلْ صُوَاعَكَ هَذَا عَنْ أَخِي أَحِيٌّ هُوَ ؟ فَنَقَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ حَيٌّ ، وَسَتَرَاهُ . قَالَ : فَاصْنَعْ بِي مَا شِئْتَ فَإِنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِي فَسَوْفَ يَسْتَقِدُّنِي ، قَالَ : فَدَخَلَ يُوسُفُ فَبَكَى ثُمَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ، قَالَ : فَلَمَّا حَمَّلَ يُوسُفُ إِبِلَ إِخْوَتِهِ مِنَ الْمِيرَةِ جَعَلَ الْإِنَاءَ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ الطَّعَامَ ، وَهُوَ الصُّوَاعُ ، وَكَانَ مِنْ فِضَّةٍ ، فِي رَحْلِ أَخِيهِ . وَقِيلَ : كَانَ إِنَاءً يَشْرَبُ فِيهِ . وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّ بِنْيَامِينَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ يُوسُفَ أَخُوهُ قَالَ : لَا أُفَارِقُكَ . قَالَ يُوسُفُ : أَخَافُ غَمَّ أَبَوَيْنَا وَلَا يُمْكِنُنِي حَبْسُكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُشْهِرَكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ . قَالَ : افْعَلْ . قَالَ : فَإِنِّي أَجْعَلُ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِكَ ، ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِآخُذَكَ مِنْهُمْ . قَالَ : افْعَلْ : فَلَمَّا ارْتَحَلُوا أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ لِأَنَّنَا رَدَدْنَا ثَمَنَ الطَّعَامِ إِلَى يُوسُفَ . فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ تَأْخُذُونَهُ لَكُمْ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَفَتَّشَهَا قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ . فَقَالُوا : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ، يَعْنُونَ يُوسُفَ ، وَكَانَتْ سَرِقَتُهُ حِينَ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ ، وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ . فَلَمَّا اسْتُخْرِجَتِ السَّرِقَةُ مِنْ رَحْلِ الْغُلَامِ قَالَ إِخْوَتُهُ : يَا بَنِي رَاحِيلَ ، لَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمْ بَلَاءٌ ! فَقَالَ بِنْيَامِينُ : بَلْ بَنُو رَاحِيلَ مَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ! وَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِيَ الَّذِي وَضَعَ الدَّرَاهِمَ فِي رِحَالِكُمْ . فَأَخَذَ يُوسُفُ أَخَاهُ بِحُكْمِ إِخْوَتِهِ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ سَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُمْ وَ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ . فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ . فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْ خَلَاصِهِ خَلَصُوا نَجِيًّا لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ ، وَهُوَ شَمْعُونُ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أَنْ نَأْتِيَهُ بِأَخِينَا إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِنَا ، وَمِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمَرَّةِ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بِالْخُرُوجِ ، وَقِيلَ : بِالْحَرْبِ ، فَارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُصُّوا عَلَيْهِ خَبَرَكُمْ . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ بِنْيَامِينَ وَتَخَلَّفَ شَمْعُونُ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَشَمْعُونَ ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ ، وَقَالَ : وَاحُزْنَاهْ عَلَى يُوسُفَ ! وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَيْظِ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ : تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا - أَيْ : دَنِفًا - أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . فَأَجَابَهُمْ يَعْقُوبُ فَقَالَ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ صِدْقِ رُؤْيَا يُوسُفَ . وَقِيلَ : بَلَغَ مِنْ وَجْدِ يَعْقُوبَ وَجْدَ سَبْعِينَ مُبْتَلًى ، وَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ . قِيلَ : دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ فَقَالَ : يَا يَعْقُوبُ ، قَدِ انْهَشَمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ ! فَقَالَ : هَشَمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ فَاغْفِرْهَا . قَالَ : قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ . فَكَانَ يَعْقُوبُ إِذَا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَحْيَيْتُهُمَا لَكَ ، إِنَّمَا ابْتَلَيْتُكَ لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ وَقَتَّرْتَ عَلَى جَارِكَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ . وَقِيلَ : كَانَ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَةٌ لَهَا عُجُولٌ فَذَبَحَ عُجُولَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْهَا يَعْقُوبُ ، فَابْتُلِيَ بِفَقْدِ أَعَزِّ وَلَدِهِ عِنْدَهُ ، وَقِيلَ : ذَبَحَ شَاةً ، فَقَامَ بِبَابِهِ مِسْكِينٌ فَلَمْ يُطْعِمْهُ مِنْهَا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ ، فَصَنَعَ طَعَامًا وَنَادَى : مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عِنْدَ يَعْقُوبَ . ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ أَمَرَ بَنِيهِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَتَجَسُّسِ الْأَخْبَارِ عَنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ، فَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ، وَقَالُوا : يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ - يَعْنِي قَلِيلَةً - فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ، قِيلَ : كَانَتْ بِضَاعَتُهُمْ دَرَاهِمَ زُيُوفًا ، وَقِيلَ : كَانَتْ سَمْنًا وَصُوفًا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ ، وَقِيلَ : بِرَدِّ أَخِينَا عَلَيْنَا . فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا ثُمَّ بَاحَ لَهُمْ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَظْهَرَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَيْهِ ، حِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ أَخَذَ ابْنَهُ لِأَنَّهُ سَرَقَ - كِتَابًا : مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ الْمُظْهِرِ الْعَدْلَ أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنَا الْبَلَاءُ ، وَأَمَّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ ، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا ، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ ، وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى حَلْقِهِ لِيُذْبَحَ فَفَدَاهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَعَادُوا وَمَعَهُمْ قَمِيصُهُ مُلَطَّخًا بِدَمٍ ، وَقَالُوا : أَكَلَهُ الذِّئْبُ ، وَكَانَ لِيَ ابْنٌ آخَرُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ ، ثُمَّ رَجَعُوا ، وَقَالُوا : إِنَّهُ سَرَقَ وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ ، وَلَا نَلِدُ سَارِقًا ، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ . فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَكَى وَأَظْهَرَ لَهُمْ فَقَالَ : هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا ، فَاعْتَذَرُوا وَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ . أَيْ لَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالُوا : لَمَّا فَاتَهُ بِنْيَامِينُ عَمِيَ مِنَ الْحُزْنِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ . فَقَالَ يَهُودَا : أَنَا أَذْهَبُ بِهِ لِأَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ ، فَأَنَا أُخْبِرُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ . وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ . وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ عَنْ مِصْرَ حَمَلَتِ الرِّيحُ إِلَى يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ ، وَبَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا ، يُوسُفُ بِمِصْرَ وَيَعْقُوبُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ . فَقَالَ يَعْقُوبُ : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ؟ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ : تَاللَّهِ إِنَّكَ مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ فَعَادَ بَصِيرًا وَ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ، يَعْنِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَأْوِيلَ رُؤْيَا يُوسُفَ ، وَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ : كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ . قَالَ : مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ ! عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قَالَ : عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ : الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ . فَلَمَّا رَأَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ وَخَبَرَهُ قَالُوا لَهُ : يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ . ثُمَّ ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مِصْرَ خَرَجَ يُوسُفُ يَتَلَقَّاهُ وَمَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ ، فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى النَّاسِ وَالْخَيْلِ ، وَكَانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي وَيَتَوَكَّأُ عَلَى ابْنِهِ يَهُودَا ، فَقَالَ لَهُ : يَا بُنَيَّ هَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ . قَالَ : لَا ، هَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ . فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ أَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ ، فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ الْحُزْنُ وَالْبُكَاءُ مُدَّةَ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْهُ . قَالَ : فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ ، يَعْنِي أُمَّهُ وَأَبَاهُ ، وَقِيلَ : كَانَتْ خَالَتَهُ . وَكَانَتْ أَمُّهُ قَدْ مَاتَتْ ، وَخَرَّ لَهُ يَعْقُوبُ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ سُجَّدًا ، وَكَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ النَّاسِ لِلْمُلُوكِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُضُوعَ وَالتَّوَاضُعَ وَالِانْحِنَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ بِالْمُلُوكِ . وَالْعَرْشُ : السَّرِيرُ . وَقَالَ : يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا . وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَجِيءِ يَعْقُوبَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَقِيلَ : ثَمَانُونَ سَنَةً ، فَإِنَّهُ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَلَقِيَهُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَعَاشَ بَعْدَ جَمْعِ شَمْلِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ يَهُودَا . وَقِيلَ كَانَتْ غَيْبَةُ يُوسُفَ عَنْ يَعْقُوبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُفَ دَخَلَ مِصْرَ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَاسْتَوْزَرَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ قُدُومِهِ إِلَى مِصْرَ ، وَكَانَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ عَنْ يَعْقُوبَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَكَانَ مُقَامُ يَعْقُوبَ بِمِصْرَ وَأَهْلِهِ مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمَّا مَاتَ يَعْقُوبُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَدْفِنَهُ مَعَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ ، فَفَعَلَ يُوسُفُ ، فَسَارَ بِهِ إِلَى الشَّامِ فَدَفَنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَأَوْصَى يُوسُفُ أَنْ يُحْمَلَ مِنْ مِصْرَ وَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ ، فَحَمَلَهُ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ . وَوَلَدَ يُوسُفُ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَى ، فَوُلِدَ لِإِفْرَائِيمَ نُونٌ ، وَلِنُونَ يُوشَعُ فَتَى مُوسَى ، وَوُلِدَ لِمَنْشَى مُوسَى ، قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ مُوسَى الْخَضِرُ ، وَوُلِدَ لَهُ رَحْمَةُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ فِي قَوْلٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية