الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
9 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ ذِكْرُ إِسْلَامِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ قِيلَ : خَرَجَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى ، وَأَبُو سُلْمَى رَبِيعَةُ الْمُزَنِيُّ ، وَمَعَهُ أَخُوهُ بُجَيْرٌ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَزَّافَ ، فَقَالَ لَهُ بُجَيْرٌ : اثْبُتْ فِي غَنَمِنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْمَعَ مِنْهُ . فَأَقَامَ كَعْبٌ وَسَارَ بُجَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ ، وَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكًا عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُورُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ غَضِبَ وَأَهْدَرَ دَمَهُ ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ بُجَيْرٍ إِلَى أَخِيهِ بَعْدَ عَوْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الطَّائِفِ ، وَقَالَ : النَّجَاءَ النَّجَاءَ ، وَمَا أَدْرِي أَنْ تَتَفَلَّتَ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ : إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ ، وَأَقْبِلْ إِلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَعَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ . فَأَسْلَمَ كَعْبٌ ، وَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ ، قَالَ كَعْبٌ : فَعَرَفْتُهُ بِالصِّفَةِ ، فَتَخَطَّيْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ : الْأَمَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ : كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ . قَالَ : الَّذِي يَقُولُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ قَالَ ؟ فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْيَاتَ الَّتِي أَوَّلُهَا : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَقَالَ كَعْبٌ : مَا هَكَذَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا قُلْتُ : سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَأْمُونٌ وَاللَّهِ . فَتَجَهَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ وَأَغْلَظَتْ لَهُ ، وَلَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَأَحَبَّتْ إِسْلَامَهُ ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي أَوَّلُهَا : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ لَا أُلْهِينَكَ إِنِّي عَنْهُ مَشْغُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمْ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قُرَيْشٍ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنِ اسْمَعُوا ، حَتَّى قَالَ : يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ يُعَرِّضُ بِالْأَنْصَارِ لِغِلْظَتِهِمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَأَنْكَرَتْ قُرَيْشٌ قَوْلَهُ وَقَالُوا : لَمْ تَمْدَحْنَا إِذْ هَجَوْتَهُمْ ، وَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ ، وَعَظُمَ عَلَى الْأَنْصَارِ هَجْوُهُ ، فَشَكَوْهُ ، فَقَالَ يَمْدَحُهُمْ : مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ يَوْمَ الْهِيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبَّارِ يَتَطَهَّرُونَ كَأَنَّهُ نُسْكٌ لَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْكُفَّارِ فِي أَبْيَاتٍ . فَكَسَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ : أَنْ بِعْنَا بُرْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ . فَقَالَ : مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا . فَلَمَّا مَاتَ كَعْبٌ اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ أَوْلَادِهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَهِيَ الْبُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ الْآنَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِ وَقَطْعِ لِسَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَشَبَّبَ بِأُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ . ( أَبُو سُلْمَى بِضَمِّ السِّينِ وَالْإِمَالَةِ . وَالْمَأْمُورُ بِالرَّاءِ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ : مَأْمُورٌ ، بِالرَّاءِ ، يُرِيدُونَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ تَأْمُرُهُ بِهِ الْجِنُّ ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِعَادَتِهِمْ ، فَلَمَّا قَالَ : الْمَأْمُونُ بِالنُّونِ ، رَضِيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَى الْوَحْيِ . وَبُجَيْرٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ ، وَبِالْجِيمِ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية