الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
4 وَدَخَلَتِ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ ذِكْرُ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ كَانَتْ غَزْوَةُ الرَّجِيعِ . وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَهْطًا مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَّةِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا ، فَابْعَثْ لَنَا نَفَرًا يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ . فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتَّةَ نَفَرٍ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَقِيلَ : مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْهَدْأَةِ غَدَرُوا وَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ حَيًّا مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو لِحْيَانَ ، فَبَعَثُوا لَهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ ، فَالْتَجَأَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جَبَلٍ ، فَاسْتَنْزَلُوهُمْ وَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ ، فَقَالَ عَاصِمٌ : وَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ عَلَى عَهْدِ كَافِرٍ ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ نَبِيَّكَ عَنَّا ! وَقَاتَلَهُمْ هُوَ وَمَرْثَدٌ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الدَّثِنَةِ وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَوْثَقُوهُمْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ : هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ ، وَاللَّهِ لَا أَتْبَعُكُمْ ! فَقَتَلُوهُ ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثِنَةِ فَبَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ ، فَأَخَذَ خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ بِأُحُدٍ ، فَأَخَذُوهُ لِيَقْتُلُوهُ بِالْحَارِثِ ، فَبَيْنَمَا خُبَيْبٌ عِنْدَ بَنَاتِ الْحَارِثِ اسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِهِنَّ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا لِلْقَتْلِ ، فَدَبَّ صَبِيٌّ لَهَا فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِ خُبَيْبٍ وَالْمُوسَى فِي يَدِهِ ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ ، فَقَالَ خُبَيْبٌ : أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا . فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَمَا بِمَكَّةَ ثَمَرَةٌ ، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ يَأْكُلُهُ ، مَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ بِخُبَيْبٍ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ : رُدُّونِي أُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَتَرَكُوهُ ، فَصَلَّاهُمَا ، فَجَرَتْ سُنَّةً لِمَنْ قُتِلَ صَبْرًا ، ثُمَّ قَالَ خُبَيْبٌ : لَوْلَا أَنْ تَقُولُوا جَزِعَ ، لَزِدْتُ ، وَقَالَ أَبْيَاتًا ، مِنْهَا : وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا ! ثُمَّ صَلَبُوهُ . وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا رَأْسَهُ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَشْرَبَ الْخَمْرَ فِي رَأْسِ عَاصِمٍ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ ابْنَيْهَا بِأُحُدٍ ، فَجَاءَتِ النَّحْلَ فَمُنِعَتْهُ ، فَقَالُوا : دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فَنَأْخُذَهُ . فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا ، وَكَانَ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ فِي مَمَاتِهِ كَمَا مُنِعَ فِي حَيَاتِهِ . وَأَمَّا ابْنُ الدَّثِنَةِ فَإِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَ بِهِ مَعَ غُلَامِهِ نِسْطَاسٍ إِلَى التَّنْعِيمِ ، لِيَقْتُلَهُ بِابْنَيْهِ ، فَقَالَ نِسْطَاسٌ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ عِنْدَنَا مَكَانَكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنَّكَ فِي أَهْلِكَ ؟ قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ مَكَانَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا . ثُمَّ قَتَلَهُ نِسْطَاسٌ . ( خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَيْضًا ، وَالْبُكَيْرُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، تَصْغِيرُ بَكْرٍ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية