الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ مِنْ طَيِّئٍ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ ، وَكَانَ قَدْ كَبُرَ عَلَيْهِ قَتْلُ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ وَحَرَّضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَكَى أَصْحَابَ بَدْرٍ ، وَكَانَ يُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لِي مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ : أَنَا لَكَ بِهِ ، أَنَا أَقْتُلُهُ . قَالَ : فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَابُدَّ لَنَا مَا نَقُولُ . قَالَ : قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ ، فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ . فَاجْتَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ ، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، ثُمَّ قَدَّمُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْرَفِ أَبَا نَائِلَةَ ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ : يَا بْنَ الْأَشْرَفِ ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ فَاكْتُمْهَا عَلَيَّ . قَالَ : أَفْعَلُ . قَالَ : كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ شُؤْمًا عَلَى الْعَرَبِ ، قَطَعَ عَنَّا السُّبُلَ حَتَّى ضَاعَتِ الْعِيَالُ ، وَجَهَدَتِ الْبَهَائِمُ . فَقَالَ كَعْبٌ : قَدْ كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ بِهَذَا . قَالَ أَبُو نَائِلَةَ : وَأُرِيدُ أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنَكَ ، وَنُوَثِّقَ لَكَ ، وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ . قَالَ : تَرْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ ؟ قَالَ : أَرَدْتَ أَنْ تَفْضَحَنَا ، إِنَّ مَعِي أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي ، تَبِيعُهُمْ وَتُحْسِنُ ، وَنَجْعَلُ عِنْدَكَ رَهْنًا مِنَ الْحَلْقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ ، وَأَرَادَ أَبُو نَائِلَةَ بِذِكْرِ الْحَلْقَةِ ، وَهِيَ السِّلَاحُ ، أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إِذَا جَاءَ مَعَ أَصْحَابِهِ . فَقَالَ : إِنَّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءً . فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَأَخَذُوا السِّلَاحَ وَسَارُوا إِلَيْهِ ، وَشَيَّعَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَدَعَا لَهُمْ . فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِ كَعْبٍ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ ، وَكَانَ كَعْبٌ قَرِيبَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ ، وَتَحَدَّثُوا سَاعَةً ، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ . ثُمَّ إِنَّ أَبَا نَائِلَةَ أَخَذَ بِرَأْسِ كَعْبٍ وَشَمَّ بِيَدِهِ وَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْرَفَ قَطُّ . ثُمَّ مَشَى سَاعَةً وَعَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ كَعْبٌ ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً وَأَخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ ! فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا فِي سَيْفِي فَأَخَذْتُهُ ، وَقَدْ صَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ ، قَالَ : فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنْدُؤَتِهِ ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغْتُ عَانَتَهُ ، وَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ . وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ ، أَصَابَهُ أَسْيَافُنَا ، قَالَ : فَخَرَجْنَا عَلَى بُعَاثٍ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا ، فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً وَقَدْ نَزَفَهُ الدَّمُ ، ثُمَّ أَتَانَا فَاحْتَمَلْنَاهُ وَجِئْنَا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا وَعُدْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ ، لَيْسَ بِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ . قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ الْيَهُودِيِّ ، وَهُوَ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ ، فَقَتَلَهُ ، وَكَانَ يُبَايِعُهُمْ ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، وَهُوَ مُشْرِكٌ : يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، قَتَلْتَهُ ! أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ ! وَضَرَبَهُ ، فَقَالَ مُحَيِّصَةُ : لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ لَقَتَلْتُكَ . قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَوَّلَ إِسْلَامِ حُوَيِّصَةَ . فَقَالَ : إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى لَعَجَبٌ . ثُمَّ أَسْلَمَ . ( عَبْسُ بْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . وَجَبْرٌ بِالْجِيمِ ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَسُنَيْنَةُ تَصْغِيرُ سِنٍّ ) . وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَنَى بِهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ . وَفِيهَا وُلِدَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نُمَيْرٍ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَفِيهَا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ أَنْمَارَ يُقَالُ لَهَا : ذُو أَمْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَفِيهَا كَانَ غَزْوَةُ الْفَرْدَةِ ، وَكَانَ أَمِيرُهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَهِيَ أَوَّلُ سَرِيَّةٍ خَرَجَ فِيهَا زَيْدٌ أَمِيرًا . وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّ قُرَيْشًا خَافَتْ مِنْ طَرِيقِهَا الَّتِي كَانَتْ تَسْلُكُ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ بَدْرٍ ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَأَبُو سُفْيَانَ . وَكَانَ عَظِيمُ تِجَارَتِهِمُ الْفِضَّةَ ، وَكَانَ دَلِيلُهُمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدًا ، فَلَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ : الْفَرْدَةُ ، فَأَصَابَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا ، وَأَعْجَزَهُ الرِّجَالُ ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْخُمُسُ عِشْرِينَ أَلْفًا ، وَقَسَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ عَلَى السَّوِيَّةِ ، وَأَتَى بِفُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ أَسِيرًا فَأَسْلَمَ ، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الْفَرْدَةُ : مَاءٌ بِنَجْدٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَبْطِهِ ، فَقِيلَ فَرْدَةُ بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ ، وَبِهِ مَاتَ زَيْدُ الْخَيْلِ ، وَيَرِدُ ذِكْرُهُ ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَرْدَةَ بِالْقَافِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَسَيَّرَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى الْفَرْدَةِ ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ ، ضَبَطَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ أَيْضًا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ ، فَإِنْ كَانَا مَكَانَيْنِ وَإِلَّا فَقَدَ ضَبَطَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَحَدَهُمَا خَطَأً ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية