الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  6667 27 - حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا قرة بن خالد، حدثنا ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة - وعن رجل آخر هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: ألا تدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: أي بلد هذا؟ أليست بالبلدة؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قلنا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى له - فكان كذلك.

                                                                                                                                                                                  قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي حين حرقه جارية بن قدامة قال: أشرفوا على أبي بكرة. فقالوا: هذا أبو بكرة يراك! قال عبد الرحمن: فحدثتني أمي عن أبي بكرة أنه قال: لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة.


                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها قطعة منه، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وابن سيرين محمد بن سيرين ، والسند كله بصريون .

                                                                                                                                                                                  ومضى الحديث في كتاب الحج في باب الخطبة أيام منى .

                                                                                                                                                                                  قوله: (عن أبي بكرة ) هو نفيع - مصغر نفع - ابن الحارث الثقفي ، نزل البصرة وتحول إلى الكوفة .

                                                                                                                                                                                  قوله: (وعن رجل آخر) هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، صرح به في كتاب الحج.

                                                                                                                                                                                  قوله: (خطب الناس) يعني يوم النحر، صرح به في الحج.

                                                                                                                                                                                  قوله: (وأعراضكم) جمع عرض، وهو الحسب وموضع المدح والذم من الإنسان.

                                                                                                                                                                                  قوله: (وأبشاركم) جمع البشر وهو ظاهر الجلد.

                                                                                                                                                                                  قوله: (في شهركم) ، قال الكرماني : لم يذكر أي شهر في هذه [ ص: 189 ] الرواية مع أنه قال بعد: " في شهركم هذا "، فكيف شبهه به فيما قال " في شهركم "؟ ثم أجاب بقوله: كان السؤال لتقرير ذلك في أذهانهم وحرمة أشهر كانت متقررة عندهم.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: فكذا حرمة البلدة. قلت: هذه الخطبة كانت بمنى ، وربما قصد دفع وهم من يتوهم أنها خارجة عن الحرم أو دفع من يتوهم أن البلدة لم تبق حراما لقتاله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فيها يوم الفتح، أو اقتصره الراوي اعتمادا على سائر الروايات مع أنه لا يلزم ذكره في صحة التشبيه.

                                                                                                                                                                                  قوله: (رب مبلغ) ، قال الكرماني : بكسر اللام. وكذا يبلغه، والضمير الراجع إلى الحديث المذكور مفعول أول له ومن هو أوعى مفعول ثان له، واللفظان من التبليغ أو من الإبلاغ.

                                                                                                                                                                                  وقال بعضهم: رب مبلغ بفتح اللام الثقيلة ويبلغه بكسرها.

                                                                                                                                                                                  قلت: الصواب ما قاله الكرماني .

                                                                                                                                                                                  قوله: (من هو) وفي رواية الكشميهني : لمن هو؟

                                                                                                                                                                                  قوله: (أوعى له) أي أحفظ، وزاد في الحج " منه ".

                                                                                                                                                                                  قوله: (فكان كذلك) جملة موقوفة من كلام محمد بن سيرين تخللت بين الجمل المرفوعة، أي: وقع التبليغ كثيرا من الحافظ إلى الأحفظ.

                                                                                                                                                                                  قوله: (قال: لا ترجعوا) بالسند المذكور من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة .

                                                                                                                                                                                  قوله: (فلما كان يوم حرق) على صيغة المجهول من التحريق، وضبط الحافظ الدمياطي " أحرق " من الإحراق، وقال: هو الصواب.

                                                                                                                                                                                  وقال بعضهم: وليس الآخر بخطأ، بل جزم أهل اللغة باللغتين أحرقه وحرقه، والتشديد للتكثير، انتهى.

                                                                                                                                                                                  قلت: هذا كلام من لا يذوق من معاني التراكيب شيئا، وتصويب الدمياطي باب الإفعال لكون المقصود حصول الإحراق، وليس المراد المبالغة فيه حتى يذكر باب التفعيل.

                                                                                                                                                                                  قوله: ( ابن الحضرمي ) هو عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ، وأبوه عمرو هو أول من قتل من المشركين يوم بدر ، ولعبد الله رؤية على هذا، وذكره بعضهم في الصحابة، واسم الحضرمي عبد الله بن عمار ، وكان حالف بني أمية في الجاهلية، والعلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور عم عبد الله .

                                                                                                                                                                                  قوله: (حين حرقه جارية ) بجيم وياء آخر الحروف، ابن قدامة بضم القاف وتخفيف الدال، ابن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي ، وكان السبب في ذلك ما ذكره العسكري في الصحابة، قال: كان جارية يلقب محرقا؛ لأنه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة ، وكان معاوية وجه ابن الحضرمي إلى البصرة يستنفرهم على قتال علي رضي الله تعالى عنه، فوجه علي جارية بن قدامة فحصره فتحصن منه ابن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه، وذكر الطبري في حوادث سنة ثمان وثلاثين هذه القضية، وفيها: بعث علي رضي الله تعالى عنه جارية بن قدامة فحصر ابن الحضرمي في الدار التي نزل فيها، ثم أحرق الدار عليه وعلى من معه، وكانوا سبعين رجلا أو أربعين.

                                                                                                                                                                                  ونقل الكرماني عن المهلب قال: ابن الحضرمي رجل امتنع عن الطاعة فأخرج إليه جارية بن قدامة جيشا فظفر به في ناحية من العراق ، كان أبو بكرة الثقفي الصحابي يسكنها، فأمر جارية بصلبه فصلب، ثم ألقي في النار في الجذع الذي صلب فيه.

                                                                                                                                                                                  قلت: العمدة على ما ذكره العسكري والطبري ، وما ذكره المهلب ليس له أصل.

                                                                                                                                                                                  قوله: (قال: أشرفوا على أبي بكرة ... ) إلى آخره جواب قوله: (فلما كان...) إلى آخره، وذلك أن جارية لما أحرق ابن الحضرمي أمر جيشه أن يشرفوا على أبي بكرة هل هو على الاستسلام والانقياد أم لا، فقال له جيشه: هذا أبو بكرة يراك وما صنعت بابن الحضرمي وما أنكر عليك بكلام ولا بسلاح، فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو في غرفة له قال: لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة - بكسر الهاء وسكون الشين المعجمة، وفي رواية الكشميهني : بفتح الهاء، وهما لغتان، والمعنى ما دفعتهم بقصبة ونحوها، فكيف أن أقاتلهم لأني ما أرى الفتنة في الإسلام ولا التحريك إليها مع إحدى الطائفتين.

                                                                                                                                                                                  قوله: (قال عبد الرحمن ) هو ابن أبي بكرة الراوي، وهو موصول بالسند المذكور.

                                                                                                                                                                                  قوله: (حدثتني أمي) هي هالة بنت غليظ العجيلة ، ذكر كذلك خليفة بن خياط في تاريخه وجماعة. وقال ابن سعد : هي هولة ، والله أعلم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (علي) بتشديد الياء.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية