الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6720 3 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ فَغَضِبَ، فَقَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَاثْنَانِ بَعْدَهُ قَدْ ذُكِرُوا عَنْ قَرِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ . وَالْحَدِيثُ مَضَى فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: " وَهُوَ عِنْدَهُ " أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ ، وَيُرْوَى: وَهُمْ عِنْدَهُ، أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، أَرْسَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيُبَايِعُوهُ، وَذَلِكَ حِينَ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ لَمَّا سَلَّمَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْلُهُ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو " فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ بَلَغَ، وَمُعَاوِيَةَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُهُ، وَعَمْرٌو بِالْوَاوِ، وَهُوَ ابْنُ الْعَاصِ . قَوْلُهُ: " يُحَدِّثُ " جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهَا خَبَرُ إِنَّ. قَوْلُهُ: " أَنَّهُ " أَيْ أَنَّ الشَّانَّ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ قَدْ مَرَّ أَنَّ قَحْطَانَ أَبُو الْيَمَنِ . قَوْلُهُ: " فَغَضِبَ " أَيْ مُعَاوِيَةُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : سَبَبُ إِنْكَارِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ قَحْطَانِيًّا يَخْرُجُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ: " أَحَادِيثَ " جَمْعُ حَدِيثٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، قَالَ الْعَزِيزِيُّ : إِنَّ وَاحِدَ الْأَحَادِيثِ أُحْدُوثَةٌ، ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ الْخَبَرُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. قَوْلُهُ: " وَلَا تُؤْثَرُ " عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا تُنْقَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تُرْوَى. قَوْلُهُ: " وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ " بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ جَمْعُ جَاهِلٍ. قَوْلُهُ: " فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ " أَيِ احْذَرُوا الْأَمَانِيَّ - بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا - وَهِيَ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ مَنَى يَمْنِي إِذَا قَدَّرَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : فُلَانٌ يَتَمَنَّى الْأَحَادِيثَ أَيْ يَفْتَعِلُهَا، مَقْلُوبٌ مِنَ الْمَيْنِ وَهُوَ الْكَذِبُ. قَوْلُهُ: " الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا " صِفَةٌ لِلْأَمَانِيِّ، وَتُضِلُّ - بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - مِنَ الْإِضْلَالِ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَرَفْعِ أَهْلِهَا. قَوْلُهُ: " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ " أَيِ الْخِلَافَةَ. قَوْلُهُ: " لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ " أَيْ لَا يُنَازِعُهُمْ أَحَدٌ فِي الْأَمْرِ " إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ " يَعْنِي إِلَّا كَانَ مَقْهُورًا فِي الدُّنْيَا مُعَذَّبًا فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: " كَبَّهُ اللَّهُ " مِنَ الْغَرَائِبِ؛ إِذْ أَكَبَّ لَازِمٌ، وَ " كَبَّ " مُتَعَدٍّ عَكْسَ الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: " مَا أَقَامُوا الدِّينَ " أَيْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ أُمُورَ الدِّينِ. قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُهُ: فَإِذَا لَمْ يُقِيمُوهُ فَلَا يُسْمَعُ لَهُمْ. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ إِبْقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ التِّينِ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا - يَعْنِي مَا رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ - لَا يُنَافِي كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو - لِإِمْكَانِ ظُهُورِهِ عِنْدَ عَدَمِ إِقَامَتِهِمُ الدِّينَ. قُلْتُ: غَرَضُهُ أَنْ لَا اعْتِبَارَ لَهُ؛ إِذْ لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا فِي سُنَّةٍ. فَإِنْ قُلْتَ: مَرَّ فِي تَغْيِيرِ الزَّمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ" . قُلْتُ: هَذَا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَبْلُغْ مُعَاوِيَةَ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ، انْتَهَى. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي بَابِ تَغْيِيرِ الزَّمَانِ، ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ: خَلَا زَمَانُنَا عَنْ خِلَافَتِهِمْ. قُلْتُ: لَمْ يَخْلُ؛ إِذْ فِي الْغَرْبِ خَلِيفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا قِيلَ، وَكَذَا فِي مِصْرَ ، انْتَهَى. قُلْتُ: لَمْ يَشْتَهِرْ أَصْلًا أَنَّ فِي الْغَرْبِ خَلِيفَةً مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ مِنَ الْحَفْصِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِي حَفْصٍ صَاحِبِ ابْنِ تُومَرْتَ ، وَقَدِ انْتَسَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَفِي مِصْرَ مَوْجُودٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِحَاكِمٍ، بَلْ تَحْتَ حُكْمٍ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية