الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
6422 - كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب - هب) عن أبي هريرة - ض).

التالي السابق


(كن ورعا تكن أعبد الناس) أي داوم عليه في جميع الحالات حتى يصير طبعا لك فتكون أعبد الناس لدوام مراقبتك واشتغالك بأفضل العبادات بظاهرك، وباطنك بإيثار حقك على حظك، وهذا كمال العبودية، ولهذا قال الحسن : ملاك الدين الورع، وقد رجع ابن المبارك من خراسان إلى الشام في رد قلم استعاره منها، وأبو يزيد إلى همدان لرد نملة وجدها في قرطم اشتراه، وقال: غريبة عن وطنها، وابن أدهم من القدس للبصرة لرد تمرة، فانظر إلى قوة ورع هؤلاء، وتشبه بهم إن أردت السعادة. (وكن قنعا تكن أشكر الناس) لأن العبد إذا قنع بما أعطاه الله رضي بما قسم له، وإذا رضي شكر، فزاده الله من فضله جزاء لشكره، وكلما زاد شكرا ازداد فضلا لئن شكرتم لأزيدنكم (وأحب للناس ما تحب لنفسك) من الخير (تكن مؤمنا) أي: كامل الإيمان لإعراضك عن هواك، وإن لم تحب لهم ما تحب لنفسك فأنت مؤمن ناقص الإيمان لمتابعتك هواك، (وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ) أي كامل الإسلام، فإن المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، (وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) وفي رواية البيهقي - بدله -: (فإن في كثرة الضحك فساد القلب، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله).

[تنبيه] الضحك المميت للقلب ينشأ من الفرح والبطر بالدنيا، وللقلب حياة وموت، فحياته بدوام الطاعة، وموته بإجابة غير الله من النفس والهوى والشيطان، بتواتر أسقام المعاصي تموت الأجسام بأسقامها، واقتصر من أسباب موته على كثرة الضحك، وهو ينشأ عن جميعها لانتشائه من حب الدنيا، وحبها رأس كل خطيئة بنص الخبر، أوحى الله إلى داود (ومن عصاني فقد مات). ومن أسباب موت [ ص: 53 ] القلب الأشر والبطر والفرح، وإذا مات لم يستجب له الله إذا دعاه.

[تنبيه] المأمور بالكف عن كثرة الضحك إنما هو أمثالنا، أما من ذاق مشرب القوم من الأحباب فليس مرادا بهذا الخطاب. قال بعض العارفين: جلس ذو النون للوعظ والناس حوله يبكون وشاب يضحك فزجره، فأنشأ يقول:

كلهم يعبدون الله من خوف نار. . . ويرون النجاة حظا جزيلا ليس لي في الجنان والنار رأي.
. . أنا لا أبتغي بحبي بديلا

فقيل له: فإن طردك فما تفعل؟ قال:

فإذا لم أجد من الحب وصلا. . . رمت في النار منزلا ومقيلا


ثم أزعجت أهلها ببكائي. . . بكرة في ضريعها وأصيلا


معشر المشركين نوحوا علي . . . أنا عبد أحببت مولى جليلا لم أكن في الذي ادعيت صدوقا.
. . فجزائي منه العذاب الوبيلا

وقال ابن عربي : خدمت امرأة من المخبآت العارفات تسمى فاطمة بنت المثنى القرطبي ، خدمتها وسنها فوق خمس وتسعين سنة وكنت أستحي أنظر إليها من حمرة خديها وحسن نغمتها وجمالها كان عمرها دون عشرين سنة، وكانت تضرب بالدف وتفرح وتقول: اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه، فكيف لا أفرح؟ ومن أنا حتى يختارني على ابن جني؟ (هب) من حديث أبي رجاء، وكذا القضاعي (عن أبي هريرة ) قال العلائي : وأبو رجاء متكلم فيه، وأقول: فيه أيضا يزيد بن سنان ، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال أبو داود : يرى بالقدر، وبه يعرف أن العامري لم يصب في زعمه لصحته.



الخدمات العلمية